ما الذي يفعله العدو وأين هي سلطة السـيادة؟

هل يختبر العدو صبر المقاومة، أم يسعى إلى استدراجها نحو ردّ يكون مدخلاً لموجة توحّش جديدة ضد لبنان؟ أم أنه يوجّه رسالة مباشرة إلى اللبنانيين، ولا سيما أولئك الذين يراهنون على التفاوض، مفادها أنه غير معني بكل ما يُقال، وأنه سيفعل ما يراه مناسباً؟
هل تعتقد إسرائيل فعلاً أن الغارات وعمليات الاغتيال التي تنفّذها كافية لدفع المقاومة إلى إلقاء السلاح؟ أم أن هناك من يوهمها، ومعها الولايات المتحدة، بأن هذا المستوى من الضغط قادر على قلب المعادلة داخل بيئة المقاومة، ودفع الناس إلى الشارع للمطالبة بإلقاء السلاح؟
ثم ماذا عن الأميركيين؟ هل يتصرّفون على قاعدة أن السماح لإسرائيل بما تقوم به هو بحدّ ذاته جواب على الأسئلة الخجولة التي يمرّرها بعض المسؤولين بين الحين والآخر حول موعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب؟
وفي المقابل، كيف سيكون ردّ فعل الدولة التي تتباهى بالتزامها تطبيق قرار «بسط سلطة الدولة» (اقرأ: نزع سلاح المقاومة) إزاء ما يجري اليوم؟ وهل استخلصت العبرة من جولات التفاوض السابقة؟
وكيف يفسّر المسؤولون عندنا أن سياسياً مثل سيمون كرم، يكره المقاومة ولا يعارضها فقط، قال إن ما سمعه من الإسرائيليين في اجتماعين فقط، يجعله يعتقد بأن ما يطلبه هؤلاء يتجاوز قدرة أي طرف لبناني على تحقيقه؟
هل هكذا تمهّد إسرائيل لجولة المباحثات - أو الاستنطاق التي تُحضَّر لقائد الجيش في أثناء زيارته المرتقبة إلى واشنطن مطلع الشهر المقبل؟ وهل سيضع قادة الجيوش الأميركية، ومعهم رجال إسرائيل في الكونغرس، أوراق العدو على الطاولة أمام قائد الجيش، قبل أن يقولوا له بوضوح: انتبه، لا تسألنا عمّا تفعله إسرائيل، فهي تقوم بما عجزتَ أنت عن القيام به، وإذا لم تبادر إلى فعل ما يُفترض بك فعله، فستقوم إسرائيل بالمزيد؟
وماذا على أبناء الجنوب والبقاع، وليس أبناء قرى الحافة الأمامية بل المناطق الأبعد شمالاً، أن ينتظروا من مسؤولي الدولة بعد اليوم؟ هل يُطلب منهم مجدداً الإنصات إلى بيانات مكرورة تتحدّث عن الشرعية الدولية، والحضن العربي، والمجتمع الدولي، وعن سلطة الدولة التي لم تعرف يوماً كيف تؤمّن وصلة مياه إلى منزل؟
أهذا ما يريده أبناء هذا البلد الذين لا يملّون الحديث ليلاً ونهاراً عن الدولة الواحدة، والسلطة الواحدة، والدولة المسؤولة، والسلطة الحازمة… وعن وعن وعن؟
وهل يستمر صمت كل من بقي لديه دمٌ في عروقه وعقلٌ في رأسه إزاء ما تفعله إسرائيل، باعتبار أن الأمر لا يعنيه ما دامت أصوات الانفجارات لم تصل بعد إلى مسامعه، ولم يُجبر أطفاله على النوم في حضنٍ مرتجف؟
أم علينا انتظار من يخرج علينا ليقول لنا: هذا ما جَنَته أفعالكم، وهذا ما ستدفعونه من أثمان جرّاء التزامكم فكرة المقاومة في وجه احتلالٍ أو عدوانٍ أو تهديد؟ ثم يُراد لنا بعد ذلك أن نصدّق أنهم دعاة سيادةٍ واستقلال؟
ما يجري في الجنوب لا اسم له ولا توصيف أدقّ من كونه استمراراً لحربٍ لم تتوقف منذ أكثر من عامين. وقد كُتب على لبنان أن يعيش إلى جانب وحش لا يريد الأمن لأحدٍ من حوله: لا في فلسطين نفسها، ولا في الأردن، ولا في سوريا، ولا في مصر، وبالطبع ليس في لبنان.
وإزاء ما تمارسه الولايات المتحدة من جنونٍ على امتداد الكرة الأرضية، ثمّة في كيان العدو من ينتظر عدواناً واسعاً وقاسياً، وأياماً طويلة من الحرب على إيران. وفي الكيان نفسه، من يعتقد أن هذه اللحظة تمثّل فرصته لتوجيه ما يتخيّله الضربة القاضية لقوى المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق واليمن. والأسوأ، ومع الأسف، أن في لبنان من يشارك هذا الوهم، ويظنّ أن ضرب إيران سيُسهّل «التخلّص» من حزب الله وسلاحه وأفكاره أيضاً!
يبقى أن على الناس أن تثق بأن المقاومة ليست فعلاً انتقائياً يُستدعى أو يُهمَل لغاية في نفس يعقوب، وأن تثق بأن ما يفعله العدو اليوم له ما قبله، وله ما بعده. والمقاومة، التي تلتزم الصمت والغموض، لا تفعل ذلك حياءً ولا خوفاً، بل تفعله لأنها تُعدّ نفسها للحظة - ليس علينا، وليس من شأننا، البحث عن توقيتها - سيخرج فيها من يقول للعدو: لقد تجاوزتَ الحدّ.
ibrahim el amin