نواف سلام اثناء سفره من مطار رفيق الحريري

ما حدث مع رئيس الحكومة نواف سلام اثناء سفره من مطار رفيق الحريري الى ميونخ ، لم يكن مشهداً استثنائياً بحد ذاته. رجل دولة يسافر عبر مبنى المسافرين العادي بدل صالة كبار الشخصيات. صورة بسيطة، ربما لا تستحق كل هذا الجدل، ولكن في لبنان، حتى التفاصيل الصغيرة تتحول إلى مرآة عميقة تعكس علاقتنا المضطربة بالسلطة وبأنفسنا.
المشهد بدا عادياً. رئيس يسير بين الناس، من دون ممرات معزولة ولا بروتوكولات مبالغ فيها. البعض رأى فيه كسراً لصورة متجذرة: مسؤولون ينفصلون عن المواطنين حتى في أبسط اللحظات. والبعض الآخر رأى استعراضاً، و" شوفيني يا منيرة" ومحاولة محسوبة لالتقاط صورة “تواضع” تُستهلك إعلامياً.
السؤال ليس: هل كان الفعل صادقاً أم استعراضياً؟ السؤال: لماذا أصبحنا عاجزين عن تصديق أي بادرة إيجابية؟
في لبنان، تراكمت الخيبات حتى صارت جزءاً من وعينا الجماعي. لم نخسر فقط الثقة بالسياسيين، بل خسرنا القدرة على منح حسن النية لأي أحد. كل مبادرة نفككها فوراً. كل خطوة نُخضعها للتشريح. لا نرى الفعل، بل نفتش عن الدافع الخفي وراءه. كأننا تعلمنا أن لا شيء يُفعل لوجه الصواب، بل لوجه الصورة أو المصلحة.
هذا الشك المزمن لم يولد من فراغ. سنوات طويلة من الخطابات الفارغة، الوعود التي تبخرت، المشاهد المسرحية التي سبقت الانهيارات. تعلّم اللبناني أن وراء كل ابتسامة حساباً، ووراء كل لقطة كاميرا رسالة مدروسة، فصار الشك وسيلته للدفاع عن نفسه. صار عدم التصديق نوعاً من الحماية النفسية.
لكن المشكلة أن هذه الحماية تحوّلت إلى عدسة سوداء نرى من خلالها كل شيء. لم نعد نميز بين الاستعراض الحقيقي والموقف الطبيعي. حتى في الفن، حين يقوم فنان بمبادرة إنسانية أو موقف أخلاقي، لا نتساءل عن قيمته، بل عن خلفياته: هل يريد شهرة اضافية؟ هل يسعى لتلميع صورته؟ هل وراءه حملة علاقات عامة؟
الأخطر أن هذا المناخ لا يقتل الثقة بالسياسيين فقط، بل يقتل إمكانية بناء أي ثقة عامة. حين يفقد المجتمع قدرته على الاعتراف بالخطوة الإيجابية، حتى لو كانت رمزية، فإنه يحرم نفسه من أبسط شروط التعافي.
السفر عبر مبنى عادي ليس إنجازاً، ولكنه اختبار لطريقتنا في النظر. هل نرفض كل شيء لأننا جُرحنا كثيراً؟ أم نملك الشجاعة لنقول: هذه خطوة جيدة، ولو كانت صغيرة، ونطالب بالأكبر بعدها؟
الشك مفهوم ومشروع. لكن حين يتحول إلى موقف دائم من كل شيء، يصبح عبئاً على أصحابه. لا أحد يطلب منا أن نكون ساذجين، لكن ربما آن الأوان أن نتعلم التوازن: لا نُقدّس الأشخاص، ولا نُعدم النوايا تلقائياً.
مشكلتنا اليوم ليست فقط في من يحكموننا، بل في قدرتنا نحن على استعادة الثقة ، لا بالأشخاص، بل بفكرة أن الخير ممكن، ولو بشكل بسيط.
في النهاية، المجتمع الذي لا يصدّق أي فعل إيجابي، قد يتحول من ضحية خيباته إلى أسير لها. والسؤال الذي يبقى: هل نريد أن نبقى أسرى؟ أم نريد أن نعيد لأنفسنا حق الدهشة، ولو لمرة.