اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل

دخل لبنان مرحلة سياسية جديدة مع الإعلان عن توقيع "اتفاق الإطار" بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية في واشنطن، في خطوة وُصفت رسمياً بأنها مدخل لاستكمال الانسحاب الإسرائيلي واستعادة سيادة الدولة على كامل أراضيها، فيما أثارت في المقابل موجة واسعة من السجال السياسي، بين من اعتبرها إنجازاً دبلوماسياً، ومن رأى فيها تنازلات تمس الثوابت الوطنية وتفتح الباب أمام خلافات داخلية حول مستقبل العلاقة مع إسرائيل.
وفق النصوص الأولية المتداولة، ينص الاتفاق على التزام متبادل باتخاذ إجراءات بحسن نية، تشمل وقف الأعمال العدائية، والعمل على استعادة الرفات والإفراج عن المحتجزين، إضافة إلى إطلاق عملية متدرجة تستعيد بموجبها الدولة اللبنانية سلطتها الكاملة على أراضيها عبر انتشار القوى المسلحة الشرعية، بالتوازي مع آليات للتحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة.
كما يؤكد الاتفاق تمسك لبنان باستعادة وممارسة سيادته الكاملة على جميع أراضيه، ويطرح آلية تنفيذية تتضمن مراحل متدرجة بإشراف ورعاية
رئيس الحكومة نواف سلام أكد أن الاتفاق يهدف إلى تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وتمكين الجيش اللبناني من بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، معتبراً أن ما ورد فيه لا يتجاوز ما نص عليه اتفاق الطائف والقرار 1701 وإعلان وقف الأعمال العدائية لعام 2024، والتي تؤكد جميعها حصرية السلاح بيد الدولة.
بدوره، شدد رئيس الجمهورية جوزاف عون على أن الاتفاق يمثل "الخطوة الأولى" نحو استعادة السيادة الكاملة، موجهاً الشكر للإدارة الأميركية والدول التي واكبت المفاوضات، ومؤكداً أن الهدف النهائي يبقى تحرير كامل الأراضي اللبنانية وعودة الأهالي وإطلاق ورشة إعادة الإعمار.
اعتراضات سياسية ورفض للتفاوض المباشر
في المقابل، أصدر وزيرا الصحة والعمل ركان ناصر الدين ومحمد حيدر بياناً أكدا فيه أن مجلس الوزراء لم يكلّف أي جهة بالتفاوض المباشر مع إسرائيل، وأن موقفهما الرافض لأي تفاوض مباشر لم يتغير، مشددين على أن أي اتفاق نهائي يخضع لآليات الإقرار الدستورية داخل مجلس الوزراء.
ويأتي هذا الموقف في ظل استمرار الانقسام السياسي الداخلي حول طبيعة المفاوضات وحدودها، وحول آلية تنفيذ أي تفاهم مع الجانب الإسرائيلي.
الموقف الأميركي والإسرائيلي
من جهتها، اعتبرت الإدارة الأميركية أن الاتفاق يؤسس لمسار واضح لاستعادة سيادة الدولة اللبنانية، ويهدف إلى تمكين الجيش اللبناني من الانتشار، مع الإعلان عن مساعدات مالية وإنسانية إضافية لدعم لبنان والجيش اللبناني.
أما في إسرائيل، فرأت تصريحات لمسؤولين أن الاتفاق يحقق مكاسب أمنية وسياسية لإسرائيل، معتبرين أنه يفتح الباب أمام ترتيبات جديدة على الحدود الشمالية، وهي قراءة تختلف عن الرواية الرسمية اللبنانية التي تؤكد أن الاتفاق يقود إلى انسحاب إسرائيلي واستعادة السيادة اللبنانية.
وفي مقابل المواقف الرسمية، برزت تحليلات سياسية تعتبر أن بعض البنود، ولا سيما المتعلقة بـ"العلاقات المستقرة" ووقف التحركات في المحافل الدولية، قد تثير نقاشاً واسعاً حول تفسيرها وحدودها القانونية والسياسية.
في المقابل، يرى مؤيدو الاتفاق أنه يشكل إطاراً تنفيذياً لتطبيق القرارات الدولية واستكمال الانسحاب الإسرائيلي، فيما يعتبر معارضوه أنه يحتاج إلى توافق وطني واسع لضمان استمراريته ومنع تحوله إلى مصدر انقسام داخلي.
يفتح "اتفاق الإطار" صفحة جديدة في المشهد اللبناني، لكنه يطرح في الوقت نفسه أسئلة كبيرة حول آليات التنفيذ، وضمان الانسحاب الإسرائيلي، ومستقبل السلاح، وحدود التوافق الداخلي. وبين الترحيب الرسمي والاعتراضات السياسية، يبدو أن الاختبار الحقيقي لن يكون في مراسم التوقيع، بل في ترجمة البنود على الأرض، ومدى قدرتها على تحقيق الاستقرار واستعادة السيادة من دون إدخال لبنان في انقسامات جديدة.