ستيفان ماندل.. عبقري الرياضيات الذي فاز باليانصيب 14 مرة

نجح عالم الرياضيات الروماني المولد ستيفان ماندل في تحقيق إنجاز غير مسبوق في تاريخ ألعاب اليانصيب، بعدما فاز بالجائزة الكبرى 14 مرة باستخدام معادلات رياضية وخطة شراء جماعية للتذاكر، محققا ملايين الدولارات، في تجربة دفعت السلطات في عدة دول إلى تعديل قوانين اليانصيب لمنع تكرارها.
وُلد ماندل عام 1931 لعائلة فقيرة في رومانيا، وكان شغوفًا بالرياضيات منذ صغره، إلا أن ظروفه المالية حالت دون استكمال مسيرته الأكاديمية، ليعمل محاسبا براتب شهري لم يكن يتجاوز 88 دولارا، وهو مبلغ بالكاد يكفي لإعالة أسرته، هذا الواقع دفعه إلى البحث عن وسيلة تتيح له تحسين وضعه المالي، فوجد ضالته في دراسة نظريات الاحتمالات وتطبيقها على اليانصيب.
وبعد سنوات من البحث في الرياضيات وأعمال العالم الإيطالي ليوناردو فيبوناتشي، توصّل ماندل إلى استراتيجية تعتمد على مبدأ بسيط يتمثل في شراء جميع التركيبات الممكنة لأرقام السحب، بشرط أن تكون قيمة الجائزة الكبرى أعلى من التكلفة الإجمالية لشراء تلك التذاكر، وبهذه الطريقة يصبح الفوز مضمونا من الناحية الرياضية، مع تحقيق أرباح بعد خصم تكلفة التذاكر.
كانت أولى تجاربه الناجحة عام 1965، عندما أقنع أحد أصدقائه بالمشاركة في تمويل الخطة، ليفوزا معا بالجائزة الكبرى وعدة جوائز فرعية بلغت قيمتها نحو 20 ألف دولار، حصل ماندل منها على أربعة آلاف دولار، وهو مبلغ يعادل آنذاك دخل أربع سنوات لعائلة رومانية متوسطة.
لاحقا، هاجر إلى أستراليا، حيث وجد فرصا أفضل لتطبيق استراتيجيته، وهناك أسس مجموعات استثمارية ضمت مئات المستثمرين، واستفاد من أجهزة الكمبيوتر والطابعات لإنتاج أعداد هائلة من تذاكر اليانصيب بشكل آلي، ما مكّنه من تجاوز العقبة اللوجستية المتمثلة في كتابة ملايين التركيبات يدويا.
وخلال ثمانينات القرن الماضي، حققت مجموعاته نجاحا لافتا، إذ فازت بـ12 جائزة كبرى في أستراليا، إلى جانب نحو 400 ألف جائزة فرعية، من بينها جائزة بلغت قيمتها 1.1 مليون دولار عام 1986.
لكن الإنجاز الأكبر جاء عام 1992 في ولاية فرجينيا الأمريكية، بعدما رصد ماندل أن نظام اليانصيب هناك يسمح بشراء عدد غير محدود من التذاكر، وأن عدد التركيبات الممكنة لا يتجاوز 7.1 ملايين تركيبة، وبعد أن تجاوزت قيمة الجائزة الكبرى 27 مليون دولار، نفّذ فريقه الخطة بالكامل، فطبع جميع التركيبات الممكنة وشحنها إلى الولايات المتحدة، قبل توزيعها على منافذ بيع اليانصيب.
وأثمرت العملية عن الفوز بالجائزة الكبرى، إضافة إلى آلاف الجوائز الفرعية، لترتفع قيمة المكاسب إلى نحو 33 مليون دولار، محققة أرباحا صافية قُدرت بحوالي 24 مليون دولار بعد خصم تكلفة شراء التذاكر.
ورغم أن العملية أثارت اهتمام سلطات إنفاذ القانون، وخضع ماندل لتحقيقات من مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، ووكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، والخدمة السرية الأمريكية، ومنظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول)، فإن جميع التحقيقات انتهت إلى عدم وجود أي مخالفة قانونية، إذ استندت خطته إلى استغلال ثغرات قانونية وليس إلى الغش أو التلاعب.
إلا أن هذه الواقعة دفعت سلطات اليانصيب الأمريكية إلى إجراء تعديلات واسعة على اللوائح، شملت فرض قيود على عدد التذاكر التي يمكن شراؤها، وإلغاء إمكانية طباعة التذاكر خارج منافذ البيع، وتشديد الرقابة على المجموعات الاستثمارية، ما أدى إلى إغلاق الثغرة التي اشتهرت باسم "ثغرة ماندل".
وبعد سنوات من المحاولات لتكرار نجاحه في دول أخرى، أعلن ماندل اعتزاله هذا المجال، واستقر في دولة فانواتو الواقعة في جنوب المحيط الهادئ، حيث يعيش بعيدا عن الأضواء.
وحتى اليوم، لا يزال ماندل يرفض الكشف عن التفاصيل الكاملة للخوارزمية التي اعتمد عليها، مؤكدا أن الإفصاح عنها سيكون "أشبه بكشف شركة كوكاكولا عن وصفتها السرية"، لتبقى قصته واحدة من أكثر الوقائع إثارة في تاريخ اليانصيب، ودليلا على قدرة الرياضيات على استغلال الثغرات القانونية دون خرق القانون.