صراع نفوذ في بروكسل

في وقت تتصاعد فيه التباينات داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي حول إدارة السياسة الخارجية، تكشف تقارير إعلامية عن خلافات متزايدة بين اثنتين من أبرز الشخصيات الأوروبية، رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين ووزيرة خارجية الاتحاد كايا كالاس، خلافات تمتد انعكاساتها إلى الموقف من إسرائيل وتنعكس على مسار القرار الأوروبي في القضايا الدولية.
وبحسب تقرير للصحافي تومر ألماغور في موقع "N12" الإسرائيلي، نقل دبلوماسيون أن التوتر بين فون در لاين وكالاس بلغ مستويات متقدمة خلال الأشهر الأخيرة، وأن هذا الخلاف لا يقتصر على الملفات السياسية العامة، بل يشمل أيضًا مقاربة الاتحاد الأوروبي تجاه إسرائيل.
ونقل التقرير عن مصدر أوروبي مطلع قوله إن "العلاقة بينهما سيئة جدًا"، مشيرًا إلى أن كالاس تدفع باتجاه خط أكثر تشددًا تجاه إسرائيل مقارنة بمواقف فون در لاين وعدد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
كما أفاد دبلوماسي إسرائيلي أن هذه التباينات باتت ملموسة أيضًا في تل أبيب، حيث انعكست على طبيعة التواصل والتنسيق مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي، مؤكدًا وجود "فجوات وخلافات واضحة" بين الجانبين.
وتشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن كالاس تتبنى خطابًا أكثر حدة تجاه إسرائيل داخل أروقة الاتحاد الأوروبي، في وقت تسعى فيه فون در لاين إلى الحفاظ على مقاربة أكثر توازنًا، ما يفتح الباب أمام صراع أوسع على توجيه سياسة الاتحاد الخارجية.
وبحسب مصادر أوروبية نقلها التقرير، فإن الخلافات لا تقتصر على الملف الإسرائيلي، بل تتعداه إلى صراع نفوذ أوسع داخل مؤسسات الاتحاد حول من يمتلك القرار الفعلي في السياسة الخارجية الأوروبية، في ظل سعي كل طرف لتعزيز موقعه على حساب الآخر.
وتشير التسريبات إلى أن فون در لاين بعثت برسائل مباشرة تفيد بأنها لا تحتاج إلى تدخلات موسعة من كالاس في إدارة بعض الملفات، في حين تتهم أطراف أوروبية كالاس بمحاولة فرض أجندة شخصية بدل تمثيل المواقف الجماعية للدول الأعضاء.
وفي السياق نفسه، نقلت تقارير أوروبية، بينها موقع "يورونيوز"، عن تصاعد الخلاف حول بعض الزيارات الدبلوماسية المرتبطة بإسرائيل، بما في ذلك زيارة مسؤولة أوروبية لمنطقة المتوسط، وسط تساؤلات في محيط كالاس بشأن توقيت التحركات الدبلوماسية الأخيرة.
كما أفادت تقارير أخرى، بينها "فايننشال تايمز"، بأن دولًا أوروبية بارزة، من بينها فرنسا وبدعم من ألمانيا ودول أخرى، تناقش إعادة هيكلة خدمات السياسة الخارجية للاتحاد، عبر ثلاثة سيناريوهات، يتضمن أحدها تقليص صلاحيات كالاس لصالح المفوضية الأوروبية، بينما يقترح سيناريو آخر تعزيز دور الدول الأعضاء على حساب مؤسسات الاتحاد، في حين يدعو خيار ثالث إلى توسيع صلاحياتها.
ويشير التقرير إلى أن هذه النقاشات عمّقت التوتر داخل الاتحاد الأوروبي، في ظل تزايد الانتقادات لآلية اتخاذ القرار في السياسة الخارجية الأوروبية.
وردًا على هذه التسريبات، قال متحدث باسم الاتحاد الأوروبي إن "من السهل إطلاق ادعاءات مجهولة لا تستند إلى وقائع"، مؤكدًا أن سياسة الاتحاد تجاه إسرائيل تُتخذ بشكل جماعي من قبل الدول الأعضاء، التي قد تختلف فيما بينها حول بعض المواقف.
وأضاف المتحدث أن "أي عضو في المفوضية لم يكن أكثر انخراطًا في الحوار مع الحكومة الإسرائيلية من وزيرة الخارجية"، مشددًا على أن القول بعدم رغبتها في الحوار "غير دقيق".
كما أشار إلى أن "قادة الاتحاد الأوروبي دعوا في حزيران إلى وقف توسع المستوطنات، التي تُعتبر غير قانونية وفق القانون الدولي"، لافتًا إلى أن هذا الموقف عبّرت عنه كالاس علنًا، وأن لكل من منصب المفوضية ووزارة الخارجية في الاتحاد الأوروبي صلاحيات مختلفة بموجب المعاهدات الأوروبية.
ويخلص التقرير إلى أن الخلافات داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي حول السياسة الخارجية تعكس صراعًا أعمق على النفوذ داخل بروكسل، في وقت تتداخل فيه الحسابات السياسية مع ملفات دولية حساسة، من بينها الموقف من إسرائيل، ما يجعل التوافق داخل الاتحاد أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.