حفل التسلم والتسليم للمدير العام للنقل البري والبحري

معالي وزير الأشغال العامة والنقل الأستاذ فايز رسامني،
حضرات الزملاء الكرام،
السيدات والسادة،
أقف أمامكم اليوم بمشاعر يختلط فيها الاعتزاز بالمسؤولية والامتنان.
قبل ست سنوات، وفي ظروف استثنائية أعقبت انفجار مرفأ بيروت، وجائحة كورونا، والانهيار الاقتصادي والمالي وانهيار العملة الوطنية، كُلِّفت بمهمة إدارة المديرية العامة للنقل البري والبحري إلى جانب مسؤوليتي في إدارة مرفأ طرابلس. وكانت تلك المرحلة من أصعب المراحل التي مرّ بها لبنان، بما حملته من تحديات صحية واقتصادية وإدارية ووطنية، فرضت علينا جميعًا أن نعمل في ظروف غير مسبوقة للحفاظ على استمرارية المرفق العام وخدمة المواطنين وصون مؤسسات الدولة.
خلال هذه السنوات، سعيت مع زملائي في المديرية إلى أداء واجبنا بأمانة وإخلاص، واضعين المصلحة العامة فوق كل اعتبار، ومؤمنين بأن المسؤولية تكليف وليست تشريفًا، وأن خدمة الدولة لا تقاس بحجم الصلاحيات، بل بحجم الالتزام والقدرة على تحمل الأمانة.
وما تحقق خلال هذه المرحلة لم يكن جهد فرد، بل ثمرة عمل جماعي شارك فيه موظفو المديرية وكل من تعاون معنا من مؤسسات رسمية وشركاء في قطاع النقل. ولهؤلاء جميعًا أتوجه بخالص الشكر والتقدير.
كما أتوجه بالشكر لمعالي الوزير الأستاذ فايز رسامني على ثقته ودعمه، وعلى روحية التعاون التي جمعتنا في خدمة قطاع النقل والملفات الوطنية الكبرى.
وأجد من الوفاء أن أتوجه بالشكر أيضًا إلى المدير العام السابق للمديرية العامة للنقل البري والبحري، المهندس عبد الحفيظ القيسي، الذي تعلمت منه الكثير قبل أن أتولى هذه المسؤولية، وكان له فضل في نقل خبرة وتجربة أعتز بهما. فالمؤسسات لا تُبنى بالأشخاص وحدهم، بل بتراكم الخبرات، وكل مسؤول يكمل ما بدأه من سبقه ويضيف إليه.
واليوم، ومع انتقال المسؤولية إلى المدير العام الجديد، أتوجه إليه بأصدق التمنيات بالتوفيق والنجاح، وأؤكد استعدادي الدائم لوضع ما أملك من معرفة وخبرة في خدمة المصلحة العامة كلما دعت الحاجة، إيمانًا مني بأن نجاح أي مسؤول هو نجاح للمؤسسة والدولة معًا.
وأسمحوا لي بكلمة شخصية من القلب.
لقد أمضيت سنوات طويلة في مرفأ طرابلس قبل أن أتولى مسؤولية المديرية العامة للنقل، وخلال السنوات الست الماضية كنت أحمل مسؤوليتين في آن واحد، لكن مرفأ طرابلس بقي دائمًا حاضرًا في وجداني وتفكيري.
واليوم، وأنا أختتم هذه التجربة الوطنية التي أعتز بها، أشعر أنني لا أغادر موقعًا بقدر ما أعود إلى بيت مهني عرفته وأحببته. لقد منحتني المديرية العامة للنقل تجربة وطنية واسعة أعتز بها، أما مرفأ طرابلس فقد منحني الانتماء، ولذلك فإن عودتي إليه ليست نهاية مرحلة، بل بداية مرحلة جديدة أستقبلها بمحبة وحماسة وإيمان أكبر بقدرته على تحقيق المزيد من الإنجازات.
وأدركت أن القيادة ليست أن تجعل المؤسسة تعتمد عليك، بل أن تجعلها قادرة على الاستمرار من بعدك. فالقائد الحقيقي لا يورث الناس حاجتهم إليه، بل يورثهم القدرة على متابعة الطريق.
لقد تعلمت خلال هذه التجربة أن المواقع تتبدل، أما الواجب فيبقى. وأن المسؤول الحقيقي لا يقاس بالموقع الذي يشغله، بل بالأثر الذي يتركه، وبالثقة التي يبنيها، وبالعمل الذي ينجزه.
وأؤمن أن قوة الدولة لا تكمن في بقاء الأشخاص في مواقعهم، بل في قوة مؤسساتها وقدرتها على الاستمرار والتجدد وتداول المسؤوليات بسلاسة واحترام. فالمواقع العامة ليست ملكًا لأحد، بل أمانة نتشرف بحملها لفترة من الزمن ثم نسلّمها لمن يأتي بعدنا، على أمل أن يضيف إلى ما تحقق وأن يكمل المسيرة.
إن الدول القوية لا تُبنى بالأفراد مهما كانت قدراتهم، بل بالمؤسسات التي تبقى وتستمر وتتعاقب عليها الأجيال. أما القيمة الحقيقية لأي مسؤول، فتكمن في أنه يسلّم الموقع الذي اؤتمن عليه أكثر قوة واستقرارًا وقدرة على خدمة الناس مما كان عليه يوم تسلمه.
وإذا كان لي من فخر في هذه التجربة، فليس أنني شغلت هذا المنصب، بل أنني أغادره محتفظًا بثقة وزيري، واحترام زملائي، ومحبة كثير من العاملين في هذا القطاع. فهذه هي الأوسمة الحقيقية التي يبقى بريقها بعد أن تنتهي كل المناصب.
لذلك أغادر اليوم مسؤولية المدير العام للنقل البري والبحري مطمئن الضمير، معتزًا بما قدمناه، ومؤمنًا بأن خدمة لبنان لا ترتبط بمنصب، بل بإرادة العطاء والإخلاص لهذا الوطن، وأن شرف الخدمة العامة يبقى أكبر من أي موقع.
أشكركم جميعًا، وأتمنى للمديرية العامة للنقل البري والبحري وللقطاع بأسره المزيد من النجاح والتقدم، ولزملائي الذين تشرفت بالعمل معهم كل التوفيق، وللبنان الذي نستحقه جميعًا مستقبلًا أكثر ازدهارًا واستقرارًا.