تأجيل الاجتماع العسكري يجمّد ملف المناطق التجريبية.. والأنظار إلى لقاء عون – ترامب

بدأت العقبات التي تعترض تنفيذ اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل تتكشف تباعاً، بما يؤكد أن بعض البنود التي يتضمنها الاتفاق تبدو، حتى الآن، غير قابلة للتنفيذ عسكرياً، أو “ممنوعة من الصرف ميدانيًا”، وفي مقدمها ما يُعرف بـ”المناطق التجريبية”.
بات واضحًا أن إسرائيل تسعى إلى تحويل هذه المناطق إلى ما يشبه حزاماً أمنياً تتولى المؤسسة العسكرية اللبنانية حمايته، بما يضمن أمن الاحتلال ويمنح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنجازاً أمنياً يسوّقه في الداخل الإسرائيلي ويستثمره في الاستحقاق الانتخابي المقبل.
وكما كان متوقعاً، جرى تأجيل الاجتماع العسكري الافتراضي الذي كان مقرراً عقده عبر تقنيات الاتصال المرئي، في خطوة شكلت انتكاسة لمخرجات مؤتمر روما الذي روّج لهذا الاجتماع باعتباره محطة أساسية للاتفاق على آليات تنفيذ “المناطق التجريبية”.
وتشير المعطيات إلى أن الجيش اللبناني ينظر إلى هذا الطرح بوصفه محاولة إسرائيلية جديدة لاستدراج المؤسسة العسكرية إلى مواجهة مع أبناء القرى الجنوبية، بما قد يفتح الباب أمام فتنة داخلية تخدم الأهداف الإسرائيلية.
وتضم لائحة المناطق التي طُرحت كـ”مناطق تجريبية” بلدات الزوطر الشرقية، والزوطر الغربية، وفرون، والغندورية، وقلاويه، وبرج فلاويه، وصريفا.
واللافت أن الاحتلال الإسرائيلي لا يتواجد فعلياً إلا في الزوطر الشرقية، فيما تخلو بقية البلدات من أي وجود احتلالي، الأمر الذي يطرح علامات استفهام جوهرية حول الغاية من إدراجها ضمن هذا المشروع.
وقد أكد الجيش اللبناني مراراً أنه لن ينتشر في أي منطقة لا يوجد فيها احتلال يستوجب إعادة الانتشار بعد الانسحاب الإسرائيلي.
ولم يكن صدفة أن يبادر الجيش، قبل أسابيع، إلى تعزيز انتشاره في فرون والزوطر الغربية وعدد من القرى الجنوبية، في رسالة واضحة مفادها أن ما جرى التوافق عليه في روما بشأن الانتشار السريع في تلك المناطق لا ينسجم مع الواقع الميداني.
فكيف يُطلب من الجيش الانتشار في مناطق هو موجود فيها أصلاً؟ وكيف يمكنه دخول مناطق تتعرض يومياً للاستهداف الإسرائيلي؟ والأهم، كيف يمكن للمؤسسة العسكرية أن تقبل بأن تتحول إلى طرف في مواجهة أبناء القرى الجنوبية خدمةً لمتطلبات الاحتلال؟، أو أن تخضع لتقييم إسرائيلي لأدائها في مناطق لا تنوي إسرائيل الانسحاب منها أساساً؟
هذه الاعتبارات مجتمعة ساهمت بشكل أو بآخر في تأجيل الاجتماع العسكري الذي كان من المفترض أن يبحث في الآليات العسكرية والفنية لتنفيذ التفاهمات، تحت إشراف الولايات المتحدة.
ويشي هذا التأجيل بأن مقررات مفاوضات روما دخلت عملياً مرحلة التجميد، وأن ملف “المناطق التجريبية” أُرجئ إلى ما بعد زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث يُفترض أن يكون الملف اللبناني حاضرًا بكل تشعباته على طاولة البحث، وفي مقدمها استمرار الاحتلال الإسرائيلي، والخروقات اليومية، ومحاولات العدو فرض وقائع أمنية جديدة على الأرض.
وفي موازاة ذلك، يواصل نتنياهو إدارة تناقض واضح بين الخطاب الذي يوجهه إلى الداخل الإسرائيلي، حيث يتحدث عن إنجازات أمنية وتكريس معادلات جديدة، وبين الضغوط التي يمارسها عبر مسار التفاوض على الوفد اللبناني، في محاولة لفرض ترتيبات تتعلق بمناطق قد لا يعرف أعضاء الوفد اللبناني طبيعتها الجغرافية أو الميدانية إلا على الورق.
وتؤكد الوقائع على الأرض أن إسرائيل لا تبدو في وارد الانسحاب، بل تمضي في تثبيت احتلالها من خلال إنشاء بوابات ونقاط فصل لترسيم حدود المنطقة المحتلة.
ومن هذا المنطلق، تقول مصادر سياسية مواكبة: إن “المناطق التجريبية” تشكل محاولة لإضفاء شرعية أمنية على واقع الاحتلال، عبر تحويل الدولة اللبنانية، وجيشها، وأجهزتها الأمنية إلى قوة تتولى حماية الحدود التي يرسمها الاحتلال وضمان أمنها، وهو أمر يرفضه الجيش اللبناني بصورة قاطعة، انطلاقاً من تمسكه بعقيدته الوطنية ومهمته الأساسية في حماية السيادة اللبنانية، لا توفير الضمانات الأمنية للاحتلال”.