تجميل دوار الليرمون.. كيف تعيد حلب ترتيب أولويات الإعمار؟

تجميل دوار الليرمون.. كيف تعيد حلب ترتيب أولويات الإعمار؟

لم يكن افتتاح دوار الليرمون الواقع على المدخل الرئيسي للمدينة جهة الشمال الغربي، مجرد مناسبة خدمية عابرة، بل تحول إلى مادة لنقاش أوسع حول شكل إعادة الإعمار وأولوياتها في مدينة أنهكتها حرب النظام المخلوع على مدى سنوات الثورة، وتركت خلفها أحياء مدمرة، وبنى تحتية متضررة، وشبكات خدمية تحتاج إلى إعادة تأهيل.

وبينما يرى مؤيدون لأعمال المحافظة ومديرياتها الخدمية أن إعادة تأهيل الدوار، بما يحمله من قيمة جمالية وموقع مهم على مدخل المدينة، تمثل خطوة إيجابية في طريق استعادة حلب لعافيتها، يعتبر منتقدون أن الاحتفاء بالمشروع جاء في توقيت ما تزال فيه ملفات أكثر إلحاحاً تنتظر المعالجة، من الطرق والمياه والكهرباء والنظافة، إلى إزالة الركام وتأهيل المناطق المتضررة.

وأعاد الجدل، في جانب منه، طرح سؤال يتجاوز مشروع الدوار نفسه، كيف ينبغي أن تكون أولويات إعادة الإعمار في حلب، وهل يكفي تحسين المشهد الحضري لاستعادة صورة المدينة، أم أن إعادة البناء تحتاج أولاً إلى معالجة احتياجات السكان الأساسية؟

دوار جديد في مدينة مثقلة بالملفات

افتتح محافظ حلب دوار الليرمون بعد الانتهاء من أعمال إعادة تأهيله، بحضور أعضاء المكتب التنفيذي ومسؤولي الكتل في المحافظة، وشملت الأعمال إزالة الدوار القديم، وإصلاح السور الخارجي، وتنفيذ تصميم جديد، وإنشاء نوافير، وتأهيل الإنارة، وتوسيع المساحات الخضراء، وزراعة الأشجار والشجيرات والنباتات، بما يهدف إلى تحسين المشهد العام في المنطقة.

وبحسب ما ورد في شهادات تحدث بها عدد من الناشطين والأهالي لموقع تلفزيون سوريا، فإن المشروع نفذ بتمويل من القطاع الخاص، الأمر الذي يراه مؤيدو إعادة التأهيل عاملاً مهماً في تقييم المشروع، باعتبار أن الأموال المخصصة له لم تأت من الموازنة العامة للمحافظة، وبالتالي فإن المفاضلة بين الدوار ومشاريع خدمية أخرى قد لا تكون دقيقة من الناحية المالية.


ويقول الناشط الاجتماعي صهيب مكي إن أحداً لا ينكر أهمية ترميم الدوار وتجميله، خصوصاً أنه يقع على أحد المداخل الرئيسية لحلب والقادمين إليها من جهة تركيا، لكنه يرى أن الإشكالية تكمن في تحويل عملية تجميل الدوار إلى مناسبة احتفالية واسعة بحضور مسؤولين، في وقت تتراكم فيه ملفات خدمية وعمرانية أكثر إلحاحاً.

ويضيف مكي في حديثه لموقه تلفزيون سوريا، أن المدينة تحتاج إلى مشاريع تتصل مباشرة بحياة سكانها، مثل المستشفيات والمدارس ومحطات الكهرباء والمياه، وإعادة تأهيل الأحياء المتضررة والطرق، معتبراً أن تحسين صورة المدينة لا يقتصر على إنشاء دوار أو نصب أو واجهة، بل يبدأ من النظافة والإنارة وإصلاح الطرق وتحسين الخدمات.

ويرى عبد الجبار صباغ أن الانتقادات الموجهة إلى المشروع لا تنصف الجهود المبذولة لإعادة إعمار المدينة، ويعتبر أن حلب التي عانت طويلاً تحتاج إلى كل خطوة إيجابية، مهما كان حجمها، وأن إعادة تأهيل الدوار لا ينبغي أن تقرأ بمعزل عن أهمية الموقع الذي يقع فيه ودوره في الحركة التجارية والمرورية، وبين الرأيين، تبدو المسألة مرتبطة بدرجة أكبر بطريقة تقديم المشروع، أكثر من ارتباطها بمبدأ إعادة تأهيله، إذ لا يعترض معظم المنتقدين على تحسين مداخل المدينة أو تجميلها، وإنما يتساءلون عن موقع هذه المشاريع ضمن سلم الأولويات الأوسع لإعادة إعمار حلب.

اقرأ أيضاً

الواقع - تلفزيون سوريا

واجهة جميلة خلفها واقع مختلف

بالنسبة لأهالي بلدة الليرمون والمناطق المحيطة بها، والقريبة من الدوار الذي أعيد تأهيله حديثاً، لا يمكن فصل الحديث عن المشروع الجديد عن واقع المنطقة التي ما تزال تحمل آثار سنوات الحرب التي دمر خلالها النظام المخلوع أجزاء واسعة منها، ويقول محمود عزيز، وهو من أبناء الليرمون، إن الدوار الجديد يمثل، من الناحية الجمالية، مشروعاً مهماً، ويصفه بأنه "تحفة" وواجهة جميلة للمنطقة، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن واقع البلدة المحيطة مختلف تماماً، في ظل طرق غير معبدة، وأبنية مدمرة، وركام يملأ أجزاء من الشوارع، إلى جانب استمرار مشكلات تتعلق بالمياه والكهرباء.

ويطرح عزيز، خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، سؤالاً حول مفهوم مسؤولية الدولة تجاه المناطق المتضررة، موضحاً أن الأهالي لا يطالبون الدولة ببناء منازلهم الخاصة، وإنما بتأمين البيئة العامة التي تمكنهم من إعادة بناء حياتهم، من طرق ومياه وكهرباء ومدارس ومستوصفات ومساجد، وصولاً إلى إزالة الركام والسواتر الترابية، ويقول إن المواطن قادر على إعادة بناء منزله بجهده، لكنه لا يستطيع بمفرده إعادة تأهيل البنية التحتية المحيطة به، مضيفاً، "البيت بدو بيئة"، وهذه البيئة، من وجهة نظره، تقع ضمن مسؤولية المؤسسات العامة.

ولا تقتصر مطالب أهالي المنطقة، بحسب عزيز، على الخدمات والبنية التحتية، إذ يشير إلى وجود مطالب أخرى تتعلق بأراضٍ يقول أصحابها إنها سلبت أو استثمرت من قبل جمعيات، مع استمرار المطالبات بمعالجة هذا الملف، وتكشف هذه الشهادة جانباً آخر من النقاش حول إعادة تأهيل المنطقة، فبينما ينظر البعض إلى دوار الليرمون باعتباره واجهة جديدة لمدينة حلب، يرى سكان المناطق المحيطة أن إعادة الإعمار تبدأ بالنسبة إليهم من احتياجات أكثر إلحاحاً، تتعلق بإزالة آثار الحرب، وتأمين الخدمات الأساسية، وتهيئة الظروف التي تسمح للعائلات بالعودة والاستقرار.

ويبدو هذا التباين أكثر وضوحاً عند النظر إلى المشهد المحيط بالدوار، فخلال جولة لموقع تلفزيون سوريا في المنطقة، تبدو إلى الجهة الغربية عشرات الصالات والمنشآت الصناعية المتضررة، ضمن منطقة كانت تحتضن جانباً مهماً من الصناعات النسيجية، قبل أن تطالها عمليات القصف وتحولها لسنوات إلى ساحة لمعارك عديدة مع قوات النظام المخلوع، ما أدى إلى تدمير أجزاء واسعة منها، وحتى اليوم، لا تزال المنطقة تفتقر إلى طرق مؤهلة وخدمات أساسية قد تساعد أصحاب المنشآت الراغبين في إعادة تأهيلها وتشغيلها.

ومن الجهة الشرقية للدوار، يمتد الطريق باتجاه دوار شيحان، وعلى جانبيه تنتشر معامل ومصانع للألبسة الجاهزة والصناعات الغذائية، إلى جانب مستودعات ومنشآت صناعية أخرى، تضررت أجزاء واسعة منها، في حين لا تزال المنطقة تعاني من نقص في الخدمات الأساسية التي يمكن أن تساعد على استعادة نشاطها الاقتصادي.

أما إلى الشمال الشرقي، فيمتد الطريق باتجاه دوار الجندول، مروراً بمساحات واسعة تتصل بمفرق طريق الكاستيلو، الذي لا يزال حاضراً في ذاكرة أبناء حلب باعتباره الطريق الذي شكل، لسنوات، منفذاً رئيسياً للمناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة نحو ريف حلب الشمالي، قبل أن يفرض النظام المخلوع حصاره على الأحياء الشرقية من المدينة ويقطع الطريق أمام حركة الناس.

وفي ظل هذا الواقع، يعود السؤال الذي أثاره الجدل حول الدوار إلى الواجهة، هل يمكن فصل تجميل مداخل المدينة عن إعادة تأهيل محيطها؟ أم أن نجاح أي مشروع عمراني في منطقة ما يبقى مرتبطاً بمدى اندماجه ضمن خطة أوسع، تعالج في الوقت نفسه احتياجات السكان، وتعيد تأهيل البنية التحتية، وتفتح الطريق أمام عودة النشاط الصناعي والاقتصادي؟


خلاف على الأولويات

يرى الخبير في قطاع الإنشاءات عبد الله الصغير أن إعادة تأهيل دوار الليرمون خطوة إيجابية تستحق التقدير، خصوصاً مع مساهمة القطاع الخاص في تمويلها، لكنه يقترح ربط مثل هذه المشاريع بمساهمات مجتمعية إضافية، كأن يلتزم المستثمر أو الجهة التي تتولى إعادة تأهيل الساحات العامة بتقديم دعم لملفات خدمية أخرى، مثل تأمين حاويات القمامة وتوزيعها في الأحياء.

ويشير الصغير كذلك إلى ضرورة التفكير بمستقبل الحركة المرورية في المنطقة، معتبراً أن إعادة تأهيل الدوار قد تكون حلاً مناسباً في المرحلة الحالية، لكن النمو المتوقع لمدينة حلب يتطلب مستقبلاً التفكير بعقدة مرورية متكاملة، قد تشمل الأنفاق والجسور، بما يضمن انسيابية أكبر للحركة ويحد من الاختناقات.

أما الباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية بلال الصطوف، فيذهب بالنقاش إلى مستوى آخر، معتبراً أن الجدل حول دوار الليرمون يكشف، برأيه، عن ضعف في علاقة الإدارة المحلية بالمجتمع، وعن الحاجة إلى تعزيز ما يسميه "الانتماء البلدي"، بحيث يشعر السكان بأن المدينة مشروع مشترك لهم، وأنهم شركاء في تحديد أولوياتها.

ويرى الصطوف أن نجاح الإدارة المحلية لا يقاس بعدد المشاريع المنفذة فقط، بل بمدى ارتباط هذه المشاريع باحتياجات الأهالي، وبقدرة المجالس المحلية على إشراك المجتمع في تحديد الأولويات، معتبراً أن المشروع الذي يأتي منفصلاً عن الاحتياجات اليومية للسكان قد يتحول إلى إنجاز إداري أكثر منه إنجازاً يشعر الناس بأنه يمثلهم.

ويرى مؤيدو المشروع، أو بالأحرى الداعمون لأعمال المحافظة وسياساتها الخدمية، أن وضع الدوار في مواجهة المدارس والمستشفيات والخدمات قد يكون مقارنة غير دقيقة، طالما أن تمويله جاء من القطاع الخاص، وأن تجميل المدينة لا ينبغي أن يتوقف إلى حين حل جميع أزماتها.

ويقول مصدر محلي في حلب لموقع تلفزيون سوريا، إن السوريين الذين عاشوا سنوات طويلة من الحرب والدمار من حقهم أن يفرحوا بأي خطوة تعيد الحياة إلى مدنهم، سواء كانت جسراً أو شارعاً أو دواراً، معتبرًا أن إعادة بناء المدن تبدأ أحياناً من خطوات صغيرة، وأن التقليل من شأن أي إنجاز قد يبعث برسالة سلبية في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى استعادة الأمل.

ولكن رأياً آخر يطرح تساؤلاً مختلفاً حول مفهوم إعادة الإعمار نفسه، إذ يرى صاحبه أن سوريا لا تحتاج فقط إلى إعادة بناء الحجر، بل إلى إعادة بناء الإنسان والمؤسسات والخدمات، وأن ترتيب الأولويات يصبح أكثر أهمية في بلد خرج من سنوات طويلة من الحرب، حيث ما تزال عائلات تنتظر العودة إلى منازلها، وطلاب إلى مدارسهم، ومرضى إلى مستشفيات قادرة على تقديم خدماتها، ويختصر هذا الرأي جوهر الخلاف بالقول إن سوريا تحتاج بالتأكيد إلى الجمال، لكن حاجتها في هذه المرحلة أكبر إلى البيت والمدرسة والمشفى والبنية التحتية، على أن تأتي المشاريع التجميلية ضمن رؤية عمرانية شاملة، لا باعتبارها بديلاً عن الاحتياجات الأساسية.

اقرأ أيضاً

مديرية صحة حلب تغلق مشفى الشفاء التخصصي (التآلف سابقاً) بمدينة حلب - مديرية الصحة في حلب

من أين تبدأ حلب؟

وسط الجدل القائم والمستمر حول الدوار الجديد، استطلع موقع تلفزيون سوريا آراء الحلبيين، لا تبدو قضية دوار الليرمون، في نهاية المطاف، مرتبطة بالدوار وحده، ولا بالجهة التي مولت إعادة تأهيله، بقدر ما تعكس سؤالاً أوسع يواجه حلب وسائر المدن السورية، كيف يمكن ترتيب أولويات إعادة الإعمار بعد سنوات الثورة، فحلب، بما تمثله من ثقل اقتصادي وسكاني وتاريخي، تحتاج إلى استعادة صورتها كمدينة حيوية، وهذا يتطلب بالضرورة تحسين مداخلها وساحاتها وشوارعها، لكن ذلك لا ينفصل عن ملفات أكثر تعقيداً، تبدأ من إزالة الركام وتأهيل البنية التحتية، ولا تنتهي عند معالجة مشكلات الكهرباء والمياه والنظافة والطرق، وتأمين بيئة تسمح للسكان بالعودة إلى مناطقهم وإعادة بناء حياتهم.

ويبدو أن التحدي أمام الإدارة المحلية لا يكمن فقط في تنفيذ المشاريع، بل في بناء تصور متكامل يجعل المشاريع الصغيرة والكبيرة جزءاً من خطة واضحة لإعادة الإعمار، مع قدر أكبر من الشفافية حول مصادر التمويل، وأولويات الإنفاق، ودور القطاع الخاص، وآليات إشراك المجتمعات المحلية في تحديد احتياجاتها.

فالمدينة التي نالت حصة كبيرة من وحشية النظام المخلوع، لا تحتاج إلى الاختيار بين الجمال والخدمات، بل تحتاج إلى الاثنين معاً، لكن ضمن ترتيب منطقي للأولويات، ويمكن للقطاع الخاص أن يلعب دوراً مهماً في تجميل المدن وإعادة تأهيل ساحاتها، كما يمكن للمؤسسات العامة أن تركز على الملفات التي لا يستطيع المستثمرون وحدهم معالجتها.


وفي حلب مرة أخرى، قد يكون دوار الليرمون بداية لمرحلة جديدة من استعادة المشهد الحضري، لكن نجاح هذه المرحلة سيقاس في النهاية بما هو أبعد من قص شريط افتتاح أو تجميل واجهة، سيقاس بقدرة المدينة على استعادة طرقها وخدماتها، وعودة سكانها إلى أحيائهم، وفتح المدارس والمشافي، وإزالة آثار الدمار، وتحويل الإعمار من مشاريع متفرقة إلى مسار متكامل يعيد للمدينة دورها وحيويتها.

فأهالي حلب، على اختلاف مواقفهم من دوار الليرمون، لا يختلفون على أن مدينتهم تستحق أن تكون أجمل وأكثر نظافة وتنظيماً، لكنهم ينتظرون في الوقت نفسه أن تمتد عملية البناء من الواجهة إلى العمق، ومن الحجر إلى الإنسان، لأن إعادة إعمار حلب الحقيقية لن تبدأ وتنتهي عند دوار، بل تبدأ عندما يصبح كل مشروع، صغيراً كان أم كبيراً، جزءاً من رؤية واضحة تعيد للمدينة مكانتها وتمنح سكانها أسباباً حقيقية للعودة والاستقرار.