كنز غارق منذ 1300 عام.. ماذا أخفى الأباطرة في قاع البحر طوال هذه القرون

عثر علماء آثار قبالة جزيرة ملييت الكرواتية على حطام سفينة بيزنطية تضم مجموعة نادرة من الأحزمة الذهبية والعملات الإمبراطورية ومقتنيات فاخرة، في اكتشاف يعتقد أنه يعود إلى أواخر القرن السابع أو أوائل القرن الثامن الميلادي.
وصف الباحثون السفينة بأنها من أهم الاكتشافات الأثرية تحت الماء في شرق البحر الأدرياتيكي، مرجحين أنها كانت تنقل شخصيات رفيعة المستوى أو شحنة ذات طابع دبلوماسي عندما غرقت خلال رحلتها.
وكشف الحطام عن واحد من بين 20 موقعاً جديداً لسفن غارقة جرى اكتشافها خلال نحو عقدين من أعمال التنقيب الأثري تحت الماء حول جزيرة ملييت، وهي مواقع تمتد زمنياً من القرن الثاني قبل الميلاد وحتى القرن السادس عشر.
وبدأ قسم الآثار المغمورة بالمياه في المعهد الكرواتي للحفاظ على التراث دراسة الحطام عام 2015، ونفّذ منذ ذلك الحين تسع حملات بحثية بقيادة عالم الآثار البحرية إيغور ميهوليك، بالتعاون مع رئيس القسم بافلي دوغونيتش.
كنوز ذهبية من موقع السفينة الغارقة
أحزمة ذهبية للنخبة البيزنطية
تمثلت أبرز المكتشفات في أربع مجموعات من الأحزمة الذهبية تضم أبازيم وزخارف مرصعة بالزمرد والياقوت واللؤلؤ، وهي مقتنيات كانت تستخدم من قبل كبار المسؤولين والنبلاء في الدولة البيزنطية.
وأشار المعهد الكرواتي إلى أن قطعاً مماثلة لم تكتشف سابقاً في قاع البحر المتوسط، ما يعزز فرضية أن السفينة كانت تنقل أفراداً أو ممتلكات مرتبطة بأعلى مستويات النخبة البيزنطية.
كما استخرج خاتم ذهبي يحمل صورة إمبراطور من السلالة الهرقلية، وهو اكتشاف يسلط الضوء على المكانة الرفيعة لأحد ركاب السفينة. ويرى الباحثون أن امتلاك مثل هذا الخاتم كان يقتصر على كبار المسؤولين المدنيين أو العسكريين المخولين بختم الوثائق الإمبراطورية.
ورجّح العلماء أن الخاتم كان إما ملكية شخصية لمسؤول بيزنطي بارز أو هدية دبلوماسية ثمينة، وفي الحالتين يعكس أهمية الأشخاص الذين كانوا على متن السفينة.
بالقرب من بولاتشي في جزيرة مليت، كرواتيا، 20 يوليو/تموز 2026. رويترز/
عملات إمبراطورية تحدد تاريخ الرحلة
واستعاد علماء الآثار أيضاً عملات ذهبية تعود إلى 4 أباطرة من السلالة الهرقلية، ويرجع تاريخها إلى أواخر القرن السابع الميلادي، ما يساعد الباحثين على تحديد الفترة الزمنية الدقيقة للرحلة الأخيرة للسفينة.
وحكمت السلالة الهرقلية الإمبراطورية البيزنطية منذ تولي الإمبراطور هرقل السلطة عام 610، خلال مرحلة اتسمت بتحولات سياسية وعسكرية كبرى شملت الحروب مع الإمبراطورية الساسانية والتوسع السريع للخلافة الإسلامية حتى القرون الهجرية الثلاثة الأولى.
عالم آثار تحت الماء يعمل في موقع حطام سفينة بيزنطية بالقرب من بولاتشي في جزيرة مليت، كرواتيا، 20 يوليو/تموز 2026. رويترز/
شحنة تجمع بين الفخامة والتجارة
وأظهرت أعمال التنقيب أن السفينة لم تكن تحمل مقتنيات النخبة فقط، إذ ضمت حمولتها التجارية جراراً فخارية وأوعية وأباريق وأطباقاً خزفية، إضافة إلى موازين تجارية ورموز مصنوعة من العاج.
ويرى الباحثون أن الجمع بين السلع الفاخرة والبضائع التجارية قد يساعد في إعادة بناء طبيعة الرحلة وتحديد هوية ركابها، بينما قد تكشف دراسة الجرار والقطع الخزفية عن منشأ السفينة والبضائع التي كانت تنقلها والمسارات والموانئ التي مرت بها قبل غرقها.
وينفذ فريق من علماء الآثار من جامعة ستانفورد بقيادة البروفيسور جاستن لايدوانغر أعمال البحث الحالية، مع تركيز خاص على دراسة الحمولة التجارية والجرار الفخارية.
أبرز المتعلقات لطبقة النبلاء من موقع السفينة الغارقة (رويترز)
طريق بحري استراتيجي وخطر
وقعت السفينة الغارقة بالقرب من جزيرة ملييت الواقعة على أحد أهم المسارات البحرية التي ربطت شرق البحر المتوسط بغربه لقرون طويلة، حيث عبرت تلك المياه سفن تنقل مسؤولين وجنوداً وتجاراً وبضائع متنوعة.
ورجّح الباحثون أن السفينة كانت تحاول الوصول إلى خليج بولاتشي المحمي عند غرقها، وهو ميناء طبيعي على الجانب الشمالي للجزيرة كان يوفر ملاذاً آمناً للسفن خلال الظروف الجوية السيئة.
وضم الخليج أيضاً مجمعاً قصرياً كبيراً يعود إلى أواخر العصور القديمة، ما يؤكد أهميته الاستراتيجية خلال الحقبة التي أبحرت فيها السفينة، رغم أن المياه المحيطة به ظلت تشكل خطراً على السفن أثناء العواصف.
ويمنح اكتشاف الأحزمة الذهبية والعملات الإمبراطورية والخاتم النادر الباحثين فرصة استثنائية لفهم حركة المسؤولين البيزنطيين والبضائع الثمينة عبر البحر الأدرياتيكي خلال بدايات العصور الوسطى، فيما يتوقع أن تسفر الدراسات المقبلة عن مزيد من المعلومات حول منشأ السفينة ووجهتها والأسباب التي دفعت شخصيات من النخبة البيزنطية إلى السفر على متنها.