هل أعادت ضغوط “القوات” عرب إلى بلدية العاقورة

ما جرى في محافظة جبل لبنان لا يمكن اختزاله بتعديل إداري عابر. فالمحافظ القاضي محمد مكاوي أصدر قراراً بإقالة نعمة الله جرجس عرب من عضوية مجلس بلدية العاقورة، ثم عاد وتراجع عنه وأبقاه في المجلس، من دون أن يظهر في قرار التراجع أن المعطيات الأساسية التي بُنيت عليها الإقالة قد تبدلت أو سقطت.
ففي 8 تموز 2026، أصدر مكاوي القرار رقم 179/2026، معتبراً عرب مقالاً حكماً من عضوية المجلس البلدي، بعدما استند إلى حكم جزائي صادر بحقه وإلى أحكام قانون البلديات. أي أن قرار الإقالة لم يكن نتيجة خصومة محلية أو معلومات متداولة، بل قراراً رسمياً اتخذه المحافظ بعد الاطلاع على ملف قضائي وإداري ووضع توقيعه عليه.


لكن في 10 آب، تبدّل المشهد كلياً. مكاوي نفسه عاد وسحب قراره، مقرراً استمرار عرب في عضوية المجلس البلدي. واللافت أن قرار السحب لم يتحدث عن إلغاء الحكم الجزائي، ولم يشر إلى سقوط الأساس الذي بُنيت عليه الإقالة، بل استند بصورة أساسية إلى وجود مراجعة أمام مجلس شورى الدولة وانتظار الحكم النهائي فيها.

وهنا تبدأ الأسئلة الفعلية. فمكاوي لم يشر في قراره إلى أن مجلس شورى الدولة أبطل قرار الإقالة، ولا إلى أنه أصدر قراراً بوقف تنفيذه. وبحسب ما يظهر من قرار السحب نفسه، كانت المراجعة لا تزال قيد النظر. فإذا لم يُلغَ الحكم، ولم يصدر قرار قضائي بوقف الإقالة، ولم تظهر واقعة جديدة تقلب الملف رأساً على عقب، فما الذي دفع المحافظ إلى الانتقال من اعتبار عرب “مقالاً حكماً” إلى إبقائه عضواً في المجلس؟
هذا السؤال يصبح أكثر حساسية عند وضعه في سياقه السياسي. فشقيق نعمة الله عرب هو منسق “القوات اللبنانية” في العاقورة، ما يضع الظروف التي أحاطت بالتراجع تحت المجهر، خصوصاً أن معلومات “ليبانون ديبايت” تفيد بأن غداءً سبق قرار السحب جمع محافظ جبل لبنان بنعمة الله عرب ورئيس بلدية العاقورة.
وينشر “ليبانون ديبايت” صورة من هذا اللقاء.
صورة تجمع رئيس البلدية والمحافظ ونعمة الله
ولا تكمن أهمية الغداء في حصول اللقاء بحد ذاته، بل في توقيته وما أعقبه. فاللقاء سبق تراجع المحافظ عن قرار كان قد أصدره على أساس ملف رسمي، فيما لم يظهر في قرار السحب أي تطور قضائي حاسم يفرض عليه هذا التراجع. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: ماذا جرى بين القرارين؟ وماذا نوقش خلال اللقاء؟ وهل تعرض المحافظ لاتصالات أو ضغوط سياسية هدفت إلى إعادة عرب إلى المجلس البلدي؟
وإذا صحت المعلومات عن تدخلات وضغوط مارستها جهات في “القوات اللبنانية” في هذا الملف، فإن المسألة تصبح أكثر خطورة. فالحزب الذي يرفع شعار الدولة والمؤسسات مطالب قبل غيره بأن يفسر ما إذا كان قد تدخل لمصلحة شخص يرتبط به سياسياً وعائلياً، ولماذا تحركت الأمور في المحافظة بعد صدور قرار الإقالة. إذ لا يمكن المطالبة بتطبيق القانون عندما يطال الخصوم، ثم اللجوء إلى النفوذ السياسي عندما يصل القرار إلى شخص قريب من الحزب.
أما مسؤولية المحافظ فهي مباشرة ولا تحتمل الالتفاف. محمد مكاوي ليس موظفاً إدارياً مبتدئاً، بل قاضٍ ومحافظ، وهو من أصدر القرار الأول وهو من عاد وسحبه. فإذا كان مقتنعاً يوم 8 تموز بأن الملف يستوجب إقالة عرب، فما الذي جعله يقتنع بالعكس بعد أسابيع؟ وإذا كان القرار الأول خاطئاً، فلماذا صدر أساساً؟ وإذا كان صحيحاً، فأي قوة استطاعت أن تجعل المحافظ يتراجع عنه؟
المسألة هنا لم تعد تتعلق بنعمة الله عرب وحده، بل بصدقية السلطة الإدارية وبقيمة توقيع المحافظ نفسه. فقرارات الدولة لا يفترض أن تكون أوراقاً قابلة للتبديل بعد لقاء أو اتصال أو وساطة، ولا أن تصبح النصوص مرنة عندما تدخل الحسابات السياسية على الخط.
لذلك، فإن محافظ جبل لبنان مطالب بتفسير علني وواضح: ما هو المعطى الجديد الذي ظهر بين 8 تموز و10 آب وأدى إلى قلب قراره؟ وهل صدر أي قرار قضائي فرض عليه هذا التراجع؟ وإذا لم يكن هناك أي مستند جديد، فمن الذي أقنعه بأن القرار الذي وقّعه باسم القانون يجب أن يُسحب؟
وفي المقابل، فإن “القوات اللبنانية” مطالبة أيضاً بالإجابة بوضوح عمّا إذا كانت قد تدخلت في الملف أو مارست اتصالات لإعادة عرب إلى المجلس.
ففي دولة القانون، لا يكفي أن يكون القرار قانونياً ساعة صدوره. يجب أن يبقى القانون أقوى من الهاتف السياسي، وأقوى من الوساطات، وأقوى من موائد الغداء.