البحر اللبناني.. ثروة تختبئ تحت الأمواج وثروة اقتصادية تنتظر من يحميها

على امتداد الساحل اللبناني، تبدو مياه البحر كأنها جزء من المشهد اليومي الذي اعتاده اللبنانيون، إلا أن ما تحت سطحها يحمل ثروة أكبر بكثير من مجرد مساحة للسباحة والصيد. فالبحر اللبناني يشكل نظاماً بيئياً غنياً، ويضم أنواعاً مختلفة من الأسماك والكائنات البحرية، إلى جانب موارد يمكن أن تتحول إلى مصدر اقتصادي مهم إذا أُديرت بطريقة علمية ومستدامة.
وتُعد الثروة السمكية في مقدمة هذه الموارد، إذ يشكل الصيد مصدر رزق أساسي لعدد كبير من العائلات الساحلية، كما يساهم في تأمين جزء من حاجة السوق المحلية إلى الأسماك. إلا أن هذا القطاع يواجه تحديات جدية، أبرزها الصيد العشوائي والجائر، واستخدام وسائل ممنوعة، وصيد الأسماك الصغيرة قبل وصولها إلى مرحلة التكاثر، ما يهدد بتراجع المخزون البحري على المدى الطويل.
ولا تتوقف أهمية البحر عند حدود الصيد. فالساحل اللبناني يمتلك مقومات كبيرة للسياحة البحرية والأنشطة الترفيهية والغطس، كما أن التنوع البيولوجي البحري يشكل ثروة بيئية يمكن أن تدعم الاقتصاد المحلي وتفتح مجالات جديدة أمام الاستثمار، خصوصاً في حال تطوير المرافئ والأنشطة البحرية وفق معايير تحافظ على البيئة.
لكن هذه الثروة تواجه أيضاً خطراً آخر يتمثل في التلوث. فالنفايات، والمياه المبتذلة، والتسربات النفطية والمواد البلاستيكية تشكل تهديداً مباشراً للحياة البحرية، وتنعكس في نهاية المطاف على صحة الإنسان وعلى قطاع الصيد والسياحة معاً. وكلما تراجع مستوى نظافة البحر، تراجعت قيمة أحد أهم الموارد الطبيعية التي يمتلكها لبنان.
وفي المقابل، فإن حماية البحر يمكن أن تتحول إلى فرصة اقتصادية حقيقية. فتنظيم قطاع الصيد، تعزيز الرقابة، حماية مواسم التكاثر، إنشاء وتفعيل المناطق البحرية المحمية، ودعم الصيادين بالتقنيات الحديثة، كلها خطوات يمكن أن تساعد في إعادة تكوين المخزون السمكي وتحويل القطاع إلى صناعة أكثر إنتاجية واستدامة.
كما أن تطوير تربية الأحياء المائية يمكن أن يخفف الضغط عن المخزون الطبيعي، ويخلق فرص عمل واستثمارات جديدة، شرط أن تتم هذه العملية وفق ضوابط بيئية وعلمية تمنع تحول الاستزراع نفسه إلى مصدر جديد للتلوث أو الإضرار بالنظام البحري.
البحر اللبناني ليس مجرد واجهة زرقاء تفصل اليابسة عن الأفق، بل ثروة وطنية تمتد تحت سطح الماء، وتضم الغذاء والعمل والسياحة والتنوع البيولوجي وإمكانات اقتصادية لا تزال غير مستثمرة بالشكل الكافي.
وبين بحرٍ يمكن أن يكون أحد محركات الاقتصاد، وبحرٍ مهدد بالتلوث والاستنزاف