إسقاط قانون العفو

رأى مرجع دستوري أن الطعن الذي تقدم به “التيار الوطني الحر” أمام المجلس الدستوري ضد قانون العفو يتضمن أسباباً جدية قد تؤدي إلى إبطال بعض أحكامه، فيما يبقى إسقاط القانون بكامله مرتبطاً بإثبات خلل جوهري في طريقة إقراره أو اختلاف النص المنشور عن الصيغة التي صوّت عليها النواب.
وأوضح المرجع لـ”ليبانون ديبايت” أن أخطر ما أثاره الطعن هو احتمال تحوير النص بعد التصويت عليه، أي أن يكون مجلس النواب قد وافق على صيغة محددة، ثم ظهرت في النسخة المحالة إلى رئاسة الجمهورية أو المنشورة في الجريدة الرسمية إضافات توسع مفعول العفو لتشمل قرارات أو فئات لم تنل موافقة الهيئة العامة.
ولا يمكن حسم هذه المسألة إلا بمقارنة حرفية بين الصيغة المعروضة على التصويت، والتعديلات التي أقرها النواب، والنسخة المحالة إلى رئاسة الجمهورية، والنص المنشور. فإذا ظهر اختلاف جوهري يغيّر المستفيدين أو الجرائم أو آثار العفو، يصبح القانون مهدداً بالإبطال الكامل، لأن النص النافذ لا يكون قد نال موافقة مجلس النواب.
ومن أبرز الأمثلة التي تناولها الطعن المادة الأولى، التي تنص على سقوط الدعوى العامة ومحو العقوبات، كما تسقط “جميع الملاحقات والأحكام والقرارات بما فيها الإدارية التي صدرت بحق موظفين بغير تهم الفساد المالي”.
وبحسب المرجع، يدخل إسقاط الدعوى العامة والعقوبات في الطبيعة الدستورية للعفو، لكن عبارة “بما فيها الإدارية” قد تؤدي إلى إلغاء قرارات وظيفية أو تأديبية اتخذتها الإدارة بحق موظفين، حتى لو لم تكن عقوبات جزائية.
وفي حال قبول هذا الاعتراض، يستطيع المجلس الدستوري إبطال عبارة “بما فيها الإدارية” وحدها. وعندها يبقى العفو نافذاً في الملاحقات والعقوبات الجزائية، فيما لا تسقط القرارات الإدارية والتأديبية تلقائياً.
ويتعلق المثال الثاني بالبند 4 من المادة الثانية، الذي استثنى من العفو “جرائم الخيانة والتجسس والصلات غير المشروعة بالعدو”، قبل أن يضيف: “باستثناء الأشخاص المشمولين بأحكام الفقرة الثانية من المادة الوحيدة من القانون رقم 194 تاريخ 18/11/2011، الذين يعتبرون حكماً مستفيدين من أحكام قانون العفو العام الحالي”.
والمقصود بهذه الفئة المواطنون اللبنانيون الذين لم ينضووا عسكرياً أو أمنياً، ومن بينهم أفراد عائلات الذين لجأوا إلى الأراضي المحتلة بعد تحرير الشريط الحدودي في 25 أيار 2000، من زوجات أو أزواج وأولاد. وكان القانون رقم 194/2011 قد سمح لهم بالعودة إلى لبنان ضمن آليات تطبيقية تحددها مراسيم تصدر عن مجلس الوزراء.
ويرى الطعن أن قانون العفو أعاد إدخال هذه الفئة حكماً عبر إحالتها إلى قانون سابق، من دون انتظار المراسيم التطبيقية، ما يطرح سؤالاً حول ما إذا كانت الإحالة تستند إلى معيار عام ومجرد، أو استُخدمت للوصول إلى أشخاص معروفين سلفاً ومنحهم عفواً أقرب إلى العفو الخاص.
فإذا اعتبر المجلس الدستوري أن الفئة محددة بمعيار موضوعي وإنساني، يمكنه رد هذا السبب. أما إذا وجد أنها حصلت على معاملة استثنائية من دون صلة واضحة بغاية القانون، فقد يبطل العبارة التي تمنحها الاستفادة الحكمية، فتعود الجرائم المذكورة مستثناة بالكامل من العفو.
ويتوقف طعن “التيار” كذلك عند عدم قابلية القانون للتطبيق، نتيجة استخدام عبارات فضفاضة قد تفتح الباب أمام تفسيرات متعارضة في المحاكم والإدارات المعنية بتنفيذه.
وأوضح المرجع أن الاعتراض لا يقوم على مجرد وجود عبارات تحتاج إلى تفسير، بل على بلوغ الغموض حداً يمنع تحديد المستفيدين والقرارات المشمولة، أو يسمح بتطبيق القانون بصورة مختلفة بين حالة وأخرى.
ويستند الطعن إلى القرار رقم 3/2024، الذي أبطل فيه المجلس الدستوري نصاً بسبب غموضه وعدم دقته، بعدما وجد أن صياغته تترك هامشاً للاستنسابية وتتعارض مع مبدأ وضوح القانون.
وتبرز هنا عبارة “جميع الملاحقات والأحكام والقرارات بما فيها الإدارية”، من دون تحديد طبيعة القرارات المقصودة أو الجهة التي أصدرتها أو مدى ارتباطها بالعقوبة الجزائية. كما يثار الالتباس حول الجهة التي ستحدد المشمولين بالقانون رقم 194/2011 وتتحقق من عدم انخراطهم عسكرياً أو أمنياً.
فإذا أمكن ضبط هذه الأحكام بتفسير واضح وموحد، قد يرد المجلس هذا السبب أو يضع تفسيراً مقيّداً لها. أما إذا وجد أن الغموض يمس جوهر القانون ويمنح الجهات المنفذة سلطة استنسابية في تحديد المستفيدين، فقد يبطل الأحكام المبهمة أو القانون كاملاً إذا تعذر فصلها عن بقية مواده.
أما لناحية طريقة الإقرار، فقد استند “التيار الوطني الحر” إلى المادة 36 من الدستور، التي تفرض التصويت على القوانين بالمناداة على النواب بأسمائهم وبصوت عال. وقد اعتبر المجلس الدستوري في قراره رقم 5/2017 أن هذه القاعدة جوهرية وليست إجراءً شكلياً.
لكن نجاح هذا السبب يحتاج إلى محضر أو تسجيل يثبت أن المناداة لم تحصل أو لم تكتمل، وأن القانون بصيغته النهائية لم ينل الغالبية المطلوبة. فمجرد التشكيك في طريقة التصويت لا يكفي من دون دليل مادي.
وخلص المرجع إلى أن الاحتمال الأكثر واقعية يبقى الإبطال الجزئي، عبر حذف عبارة “بما فيها الإدارية”، أو إلغاء استفادة فئة معينة، أو تقييد بعض آثار القانون حفاظاً على حقوق الضحايا.
أما الإبطال الكامل، فيصبح احتمالاً جدياً إذا نجح طعن “التيار الوطني الحر” في إثبات أن التصويت لم يجر وفق الأصول، أو أن النص المنشور تضمن تعديلات جوهرية لم تعرض على الهيئة العامة.
وعندها لن يكون السؤال أمام المجلس الدستوري متعلقاً فقط بمن يستفيد من العفو، بل بما إذا كان القانون المنشور هو فعلاً القانون الذي أقره مجلس النواب.