مؤتمر عن اعادة بناء الدولة في ظل التحولات: عدت إلى حرب ضروس لإعادة فكرة الدولة إلى الحياة السياسية

تجمع "أكاديميات وأكاديميون من أجل لبنان"، ، في الندوة الفكرية والمؤتمر الذي عُقد في فندق "جفينور" ببيروت، تحت عنوان "الدولة في لبنان وإعادة بنائها في ظل التحولات الجيوسياسية"، والذي حلّ فيه وزير الثقافة البروفيسور غسان سلامة متحدثاً رئيسياً، بحضور حاشد من الشخصيات السياسية والدبلوماسية والأكاديمية والإعلامية.
الذي يلامس عمق الأزمة البنيوية والسياسية في لبنان والمنطقة.
وفيما يلي النص الكامل للمداخلة الشاملة التي ألقاها وزير الثقافة غسان سلامة:
: عدت إلى حرب ضروس لإعادة فكرة الدولة إلى الحياة السياسية
استهل وزير الثقافة غسان سلامة مداخلته بوجدان صريح قائلاً: "الدولة مثل رفيقة قديمة نعتقد مراراً أننا افترقنا، فإذ بالزمن يمر ونلتقي مجدداً. هذه حالي مع الدولة منذ أكثر من أربعين أو خمسين عاماً، أهرب منها وأعود إليها".
و "لقد شهدت الثمانينات عودة قوية لمفهوم الدولة إلى المجال الفكري، بعدما طغت في الستينات والسبعينات قضايا كبرى كالأمة وفلسطين والحرب الباردة، وآنذاك شكل كتاب "Bringing the State Back In" نقطة تحوّل".
واستعاد سلامة مشروعين رائدين شارك فيهما؛ الأول بإدارة الراحل سعد الدين إبراهيم حول "المجتمع والدولة في العالم العربي"، والثاني الذي أداره مع الاقتصادي الإيطالي جاكومو لوتشاني تحت عنوان "Nation, State and Integration in the Arab World".
من تجربة العراق إلى ميانمار وليبيا
وتوقف سلامة عند تجربته الدولية في العراق عام 2003، حيث عمل على إعادة بناء الدولة في ظل احتلال أجنبي، وقال: "ما دمّر الدولة العراقية لم تكن الحرب نفسها، بل القرارات التي اتخذها الاحتلال الأميركي بعد انتهاء الحرب، وعلى رأسها اجتثاث البعث وحلّ الجيش العراقي". وأوضح: "إن اجتثاث البعث أدّى إلى انهيار الدولة، لأن الأنظمة الشمولية تجعل الوصول إلى إدارة مستشفى أو مدرسة أو جامعة مشروطاً بالانتماء إلى الحزب، كما أن حلّ الجيش أفقد الدولة عمودها الفقري".
وانتقل إلى تجربته في ميانمار، مشيراً إلى أنه وجد هناك "دولة قوية وباطشة، قائمة على منطق القوة فقط بلا أي عقد اجتماعي، اعتبرت مليوني روهينغي أشباحاً غير موجودين، لا تُسجَّل ولاداتهم ولا وفياتهم".
أما عن تجربته في ليبيا بين عامي 2017 و2020، فوصف المشهد قائلاً إنها "ليست منقسمة بل متشظّية"، وأردف: "كأن قنبلة أُرسلت إلى مكان فتحوّل إلى شظايا متشابهة في اللغة والدين والعادات، لكنها شظايا متفرقة". وتوقف عند "انتشار السلاح، بواقع 20 مليون قطعة سلاح لـ 7 ملايين ليبي، وعند تحوّل الوظيفة العامة إلى ما يشبه عيدية تُمنح عند بلوغ سن الثامنة عشرة، ما أدى إلى تضخم الإدارة من دون إنتاج فعلي".
وخلص سلامة من هذه التجارب إلى قاعدة عامة صاغها بالقول: "عندما تكون الدولة متماهية مع النظام، فإن تغيير النظام يؤدي إلى انهيار الدولة، وإذا كان المجتمع مركباً، فإن انهيار الدولة يؤدي إلى انفجار المجتمع. لذلك كنت وسأبقى معادياً لفكرة تغيير النظام من الخارج".
الواقع اللبناني وحرب استعادة الدولة
وفي الشأن اللبناني، استعاد سلامة دوره التاريخي كمستشار للجنة الثلاثية في اتفاق الطائف، لافتاً إلى أن "الاتفاق كان في جوهره الحد الأدنى المشترك بين القوى السياسية الموجودة على الأرض، وليس نتاج تفكير خبراء دستوريين".
وبالحديث عن واقع الدولة اللبنانية اليوم، أكد أن غيابه 23 عاماً بين وزارتين جعله يدرك أن ما حصل أخطر مما توقع، مضيفاً: "كنت أرى من بعيد أن الدولة تتقلص تدريجياً، لكنني لم أتنبه إلى أن تقلص الدولة يترك فراغاً، والطبيعة تكره الفراغ. فالفراغ الذي تركه تقلص الدولة ملأته قوى ومصالح ومافيات تمنع إعادة بناء الدولة".
وختم وزير الثقافة غسان سلامة مداخلته بعبارة مؤثرة رسمت خارطة طريقه الحالية: "لم أكن أتصور عندما عدت إلى رفيقتي القديمة الدولة، أنني انخرطت فعلاً في حرب ضروس، هي حرب إعادة فكرة الدولة إلى صنع الحياة السياسية في لبنان، في التعليم والصحة ورفع النفايات والقطاع المصرفي والأمن، وفي كل القطاعات". _______. متابعة. === عايدة حسيني