غارة أبو الظهور»: هل بدأت إسرائيل معركة كبح النفوذ التركي في سوريا؟

غارة أبو الظهور»: هل بدأت إسرائيل معركة كبح النفوذ التركي في سوريا؟

كتب العميد المتقاعد محمد فهمي:


لم يكن قصف مطار «أبو الظهور» العسكري، في ريف إدلب الشرقي، مجرّد غارة إسرائيلية على منشأة عسكرية سورية؛ فالمكان والتوقيت والهدف السياسي المعلن تجعل العملية أقرب إلى رسالة استراتيجية متعددة الاتجاهات، عنوانها المباشر تركيا، ومضمونها الأوسع مستقبل سوريا العسكري وحدود النفوذ الذي تسمح به إسرائيل في مرحلة ما بعد نظام الأسد.


لم تترك إسرائيل مجالًا واسعًا لتفسير العملية، فقد قالت إن دمشق كانت على وشك خرق الوضع الأمني القائم والمتفق عليه معها، من خلال السماح للقوات التركية بالانتشار في قاعدة قريبة من حلب. أما تركيا، فنفت عمليًا هذه الرواية، ووصفت التبريرات الإسرائيلية بأنها غير مقبولة، بينما اعتبر المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك، الضربة «تصعيدًا غير ضروري» يهدد الاستقرار الإقليمي.


لكن السؤال الاستراتيجي الحقيقي هو: هل أرادت إسرائيل تدمير مطار «أبو الظهور»، أم تدمير فكرة استخدامه منصةً عسكرية تركية ـ سورية، أم تقويض قواعد اللعبة التي بدأت تتشكل في سوريا الجديدة؟


ترجّح المؤشرات الاحتمال الثاني؛ فالمطار، الذي كان خارج الخدمة منذ سنوات بسبب الحرب السورية، لم يكن في وضع يسمح له بأن يشكل تهديدًا استثنائيًا لإسرائيل. لكن قيمته تكمن في موقعه وفي إمكان إدخاله مجددًا ضمن منظومة عسكرية سورية يجري العمل على إعادة بنائها بدعم تركي.


وبالتالي، فإن إعادة تأهيل قاعدة جوية في شمال سوريا، بالتوازي مع تنامي التعاون العسكري بين أنقرة ودمشق، يمكن أن تتحول مستقبلًا إلى جزء من بنية عسكرية جديدة تمتلك قدرات على الرصد والتشغيل والدفاع الجوي. وليس من مصلحة إسرائيل أن تتشكل هذه البنية من دون أخذ مصالحها الأمنية في الحسبان. وهنا يصبح قلق إسرائيل من تركيا أكثر أهمية من القاعدة نفسها.


فمنذ سقوط نظام الأسد، أصبحت أنقرة واحدة من أبرز الجهات الخارجية الداعمة للسلطة السورية الجديدة، سياسيًا وعسكريًا. لذلك، لا تبدو إسرائيل مستعدة للنظر إلى إعادة بناء الجيش السوري باعتبارها عملية سورية داخلية، خصوصًا إذا كانت تركيا هي القوة التي ستوفر التدريب والمعدات والخبرات والبنية التحتية.


فالمشكلة، بالنسبة إلى تل أبيب، ليست في أن دمشق تستعيد بناء مؤسساتها العسكرية فحسب، بل في أن عملية إعادة البناء تتم تحت مظلة دولة إقليمية كبرى وعضو في حلف شمال الأطلسي. وإذا انتقلت العلاقة التركية ـ السورية من مرحلة الدعم والتدريب إلى مرحلة وجود عسكري تركي مستقر داخل القواعد السورية، فإن معادلة القوة في الأجواء السورية ستتغير بصورة جوهرية.


من هذه الزاوية، يمكن قراءة قصف «أبو الظهور» بوصفه ضربة وقائية سياسية وعسكرية، هدفها الحؤول دون تحوّل المساعدات التركية إلى بنية عسكرية تركية دائمة داخل سوريا. ولعل أبرز مؤشر على خطورة الموقف هو أن واشنطن بدأت العمل على تنظيم آلية اتصال وتنسيق بين تركيا وإسرائيل وسوريا، بهدف تهدئة الوضع.


أما إذا أصرت تل أبيب على منع أي انتشار عسكري تركي داخل القواعد السورية، فقد تجد أنقرة نفسها أمام ثلاثة خيارات:


قبول قواعد اشتباك تفرضها إسرائيل فعليًا.

تعزيز حضورها العسكري لحماية مشاريعها ومصالحها في سوريا.

اختيار الرد المباشر.

فإذا اختارت تركيا الرد المباشر، فقد تدخل المنطقة مرحلة شديدة الحساسية؛ لأن أي احتكاك بين القوات الإسرائيلية والتركية سيكون احتكاكًا بين قوتين إقليميتين كبيرتين، وليس مجرّد مواجهة مع فصيل مسلح أو قوة محلية صغيرة.


لكن أنقرة ستتجنب، على الأرجح، الرد العسكري المباشر؛ إذ تستطيع تركيا استخدام أدوات سياسية واقتصادية وعسكرية غير مباشرة للضغط على إسرائيل، كما تستطيع تعزيز التنسيق مع دمشق وواشنطن، بدلًا من الدخول في مواجهة لا تخدم أهدافها الاستراتيجية.


أما دمشق، فهي الطرف الأضعف في هذه المعادلة. والمفارقة أن الضربة الإسرائيلية قد تدفعها إلى الاقتراب أكثر من تركيا. فإذا كانت الرسالة الإسرائيلية تهدف إلى منع بناء قدرة عسكرية سورية مدعومة من أنقرة، فإن النتيجة المحتملة قد تكون زيادة اعتماد دمشق على أنقرة؛ لأنها ستشعر بأن عملية إعادة بناء قدراتها العسكرية لا تواجه تحديات داخلية فحسب، بل تواجه أيضًا محاولة إسرائيلية لمنع الدولة السورية من استعادة قدرتها العسكرية.


وهذا يقود إلى مفارقة استراتيجية مهمة: «كلما حاولت إسرائيل منع تركيا من ترسيخ نفوذها في سوريا بالقوة، فقد تدفع دمشق إلى الاقتراب أكثر من أنقرة».


والأكثر خطورة أن قصف «أبو الظهور» قد لا يكون الضربة الأخيرة. فإذا رأت إسرائيل أن مشاريع إعادة تأهيل القواعد السورية تتحول إلى مواقع لانتشار القوات التركية، أو إلى مراكز لإعادة بناء القدرات العسكرية السورية، فقد تكرر ضرباتها في مواقع أخرى.


وفي المقابل، قد تعتبر تركيا أن استمرار استهداف المشاريع التي تشارك في إعادة تأهيلها يشكل مساسًا مباشرًا بنفوذها ومصالحها، ما قد يدفعها إلى تعزيز إجراءات الحماية أو تغيير طبيعة وجودها العسكري في سوريا. وهكذا، سيصبح مطار «أبو الظهور» نقطة صغيرة على خريطة أكبر بكثير: صراع على من يمتلك حق رسم النظام الأمني في سوريا الجديدة.


وبين هذه الأهداف المتعارضة، يصبح المطار أكثر من مجرّد مدرج ومبانٍ عسكرية؛ إنه اختبار مبكر لتحديد من يمتلك الكلمة الأخيرة في سوريا: إسرائيل التي تريد فرض معادلة أمنية من خارج الحدود، وتركيا التي تريد تثبيت موقعها بوصفها قوة راعية لسوريا الجديدة، وسوريا التي تحاول استعادة حقها في بناء دولة ذات سيادة.


ولهذا، فإن السؤال المطروح بعد قصف «أبو الظهور» هو: ماذا ستفعل تركيا؟ وماذا ستفعل دمشق؟ والأهم من ذلك: هل ستسمح واشنطن بتحول سوريا إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين حليفين كبيرين؟


وعليه، لم يكن الهدف الحقيقي للغارات الإسرائيلية المدرج وحده، بل كان منع ولادة معادلة عسكرية جديدة في شمال سوريا قبل أن تتحول إلى أمر واقع. وهذا تحديدًا ما يجعل «أبو الظهور» مؤشرًا بالغ الأهمية؛ فالمعركة المقبلة في سوريا قد لا تكون حول من يسيطر على الأرض، بل حول من يملك السماء، ومن يمتلك حق بناء القوة التي تحمي الدولة السورية، ومن يحدد سقف هذه القوة.