مبادرة نقابة المهندسين لحماية العمران والتراث والذاكرة

مبادرة نقابة المهندسين لحماية العمران والتراث والذاكرة

النقابة بدأت، منذ نحو ثلاثة أشهر، سلسلة من اللقاءات التحضيرية، وإشراك الجامعات (

مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية التي تطال المدن والقرى اللبنانية، ولا سيما الحواضر التاريخية في الجنوب، تطلق نقابة المهندسين في بيروت، بالشراكة مع الجامعات اللبنانية، مبادرة وطنية تحت عنوان "حماية الذاكرة العمرانية والتراثية للبنان".

المبادرة تعتبر أن حماية المبنى هي، في جانب أساسي منها، حماية للذاكرة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي تشكلت حوله. ومن هنا، تحاول النقابة الانتقال من موقع المتابعة والإدانة إلى موقع الفعل المهني المنظم، عبر مرصد القضايا العمرانية في النقابة، وبالتعاون مع الجامعات والبلديات والخبرات الهندسية والأكاديمية والقانونية والثقافية.

 

من توثيق ما تهدّم إلى معرفة ما نملك

يقول رئيس لجنة المبادرة، حبيب صادق، لـ"المدن": "بظل الواقع السياسي والإداري، وهذه الحرب التي لم تنته، وكي لا تبقى نقابة المهندسين بموقع المتفرج، قررت النقابة القيام بدورها الوطني والذهاب نحو الفعل، من خلال مبادرة بالشراكة مع الجامعات".

ويشرح أن النقابة بدأت، منذ نحو ثلاثة أشهر، سلسلة من اللقاءات التحضيرية، وصولاً إلى إشراك أقسام العمارة في الجامعات اللبنانية في الخطوة الأولى من المبادرة، بغية توثيق التراث العمراني المهدد أو المتضرر. فالخسارة، برأيه، لا تقتصر على المباني التي تهدمت بالفعل، بل تشمل أيضاً غياب التوثيق المسبق. ويشرح: "لدينا فجوة كبيرة جداً. وليس لدينا توثيق، والجهد في هذا المجال ضئيل"، مشدداً على أن التوثيق لا يخدم الدراسات المستقبلية فحسب، بل يشكل أيضاً قاعدة لبناء الوعي العام، وإعداد الملفات القانونية التي يمكن وضعها لاحقاً بتصرف الجهات اللبنانية والدولية المختصة.

المكان الذي لم يعد قائماً يمكن، عبر خرائطه وصوره ووثائقه وذاكرته الشفوية، أن يبقى حاضراً في الوعي. وربما لا يمكن دائماً إعادة بناء ما تهدم كما كان، لكن يمكن فهم "مورفولوجيته"، أي بنيته وتكوينه وشكل علاقاته العمرانية، وتتحول هذه المعرفة إلى أساس لإعادة صياغة المكان مستقبلاً، لا إلى مجرد محاولة لاستنساخ ما كان قائماً.

وتكتسب هذه العملية أهمية أكبر في ظل ما يعتبره صادق محاولة لاقتلاع الذاكرة من المكان. فهو يقول إن "العدو يسعى لاقتلاع موطئ القدم الوجودية للجماعات، مش بس من خلال تهجيرها والقتل، إنما من خلال اقتلاع رمزيات وجودها، بآثارها وتراثها الحي". لذلك، لا يعود توثيق العمران مجرد عمل أرشيفي، بل يصبح، في أحد وجوهه، حمايةً لذاكرة الجماعات واستمراريتها في المكان، وحفظاً لما قد تعجز عملية إعادة الإعمار وحدها عن استعادته.


Image-1787223370.Jpg

كل جامعة تتبنى مدينة

في المرحلة الأولى، تتولى كل جامعة مدينة أو مجموعة من القرى والبلدات، وتبدأ العمل على أرشيفها العمراني والتراثي، من خلال جمع الصور والخرائط والمخططات والدراسات والمعلومات التاريخية، قبل الانتقال إلى العمل الميداني بالتعاون مع البلديات والجهات المحلية.

وتُفترض لهذه العملية نتيجة أبعد من إنشاء أرشيف. فالبيانات التي تُجمع اليوم يمكن أن تتحول غداً إلى أساس لإعادة التفكير في هذه المناطق، لا من الناحية العمرانية فقط، بل اجتماعياً واقتصادياً وبيئياً أيضاً.

ويشير صادق إلى أن "هذه القرى والبلدات والمدن هي إرث مستمر ومتراكم عبر التاريخ"، لافتاً إلى أن كثيراً من الحواضر اللبنانية يتجاوز عمرها ألفي عام، ومن بينها صور والنبطية وشبعا وشمع وغيرها.لذلك، فإن المطلوب ليس فقط معرفة ما تهدم، بل فهم كيفية تشكل المكان، وما الذي جعله مدينة أو بلدة أو قرية قابلة للحياة.وهنا تصبح إعادة الإعمار مسألة مختلفة عن إعادة البناء.

 

لا نحتاج إلى أبنية جديدة فقط

أحد المخاطر التي تحاول المبادرة التحذير منها هو أن تتحول مرحلة ما بعد الحرب إلى سباق لإعادة تشييد الأبنية، من دون إعادة بناء الحياة نفسها.

"المطلوب مش نعيد بناء أبنية فارغة أو يتحول العمار إلى مال سياسي بالواقع اللبناني"، يقول صادق. المطلوب، في رأيه، هو "إعادة الحياة"، أي التخطيط لمناطق يستطيع أهلها العودة إليها والاستقرار فيها، وتوفير مقومات اقتصادية واجتماعية تسمح للعائلات الشابة بالبقاء.

وهذا يعني أن التخطيط العمراني يجب أن يسبق عملية الإعمار، لا أن يأتي بعدها.

فإذا كان شارع ما جزءاً من ذاكرة المدينة، وإذا كان السوق القديم يشكل محوراً للحياة الاقتصادية، وإذا كانت ساحة معينة هي نقطة تجمع الناس، فإن إعادة بناء المنطقة لا يمكن أن تبدأ من عدد الأبنية ومساحاتها فقط، بل من السؤال الأهم: كيف تعود المدينة إلى الحياة؟

ومن هنا، تعمل المبادرة على إعداد رؤى قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، تتصل بإعادة التأهيل والتخطيط والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.



العمران ليس حجراً

حين نتحدث عن العمران، لا نتحدث عن أبنية جميلة أو قديمة، بل عن نمط حياة، وعن علاقة الناس بالمكان، وعن العادات والتقاليد التي نشأت حوله، وعن الأسواق والحرف والطرقات والأحياء والمساحات العامة.

يقول صادق "عندما نتكلم عن العمران لا نتكلم عن أبنية وعمارة، نحكي عن إرث متراكم بعادات وتقاليد ونمط حياة".

ولهذا، فإن تدمير العمران المحلي لا يعني فقط خسارة جزء من المشهد، بل خسارة جزء من هوية المكان.وفي الجنوب تحديداً، حيث تتجاور مواقع تاريخية تعود إلى عصور مختلفة مع مدن وقرى ما زالت الحياة فيها مستمرة، تصبح المعركة على الذاكرة جزءاً من المعركة على المكان نفسه.



نقابة المهندسين لا تحل محل الدولة

لا تطرح النقابة نفسها بديلاً عن الدولة. يقول صادق بوضوح: "نحن ما رح نحل محل الدولة". لكنها، وفق تصوره، تستطيع أن تؤدي دوراً مكملاً عبر المجتمع المدني الأكاديمي والمهني، من خلال رفد البلديات بالخبرات، وتقديم الدراسات والتصورات لمؤسسات الدولة، وإنتاج معرفة علمية يمكن البناء عليها.

وهذه نقطة أساسية في مشروع إعادة الإعمار اللبناني: ألا تُترك المدن والقرى أمام منطق التسويات السياسية أو المحاصصة بعد انتهاء الحرب.

فالمطلوب أن تكون هناك معرفة سابقة بالمكان وحاجات أهله وإمكاناته، قبل أن تبدأ عملية توزيع المشاريع ورسم المخططات.

 

حرب لم تنتهِ، وذاكرة لا تحتمل الانتظار

المبادرة تأتي في وقت لا تزال فيه الحرب نفسها مفتوحة على احتمالاتها، فيما تتواصل الاعتداءات وتتسع الخسائر التي لا يمكن اختزالها بعدد الأبنية المدمرة.

ولهذا، لا تنتظر نقابة المهندسين انتهاء الحرب كي تبدأ التوثيق. فالوقت الذي يمر قد يعني فقدان وثيقة جديدة، أو صورة، أو مخطط، أو ذاكرة شخص يعرف كيف كانت البلدة قبل أن تتغير ملامحها.ووفق صادق ما يحصل خطير جداً، وأي تعامل غير مسؤول، أو أي تقصير، يؤدي إلى نتائج كارثية. 

في النهاية، لا تستطيع أي مبادرة أن تعيد كل ما دمرته الحرب. ولا يمكن دائماً إعادة بناء بيت بالطريقة التي كان عليها، أو استعادة شارع فقد معالمه، أو إعادة الزمن إلى الوراء.

لكن ما يمكن فعله هو ألا يُسمح بأن تتحول الخسارة إلى نسيان. فحماية الذاكرة العمرانية ليست ترفاً يأتي بعد إعادة الإعمار، بل ربما تكون أحد شروطه. لأن المدينة ليست مجموعة أبنية، والقرية ليست مجموعة منازل، والتراث ليس حجارة قديمة.

إنه ما يجعل المكان مكاناً، وما يجعل العودة إليه عودةً إلى حياة، لا مجرد عودة إلى عنوان.

وفي بلد تتكرر فيه الحروب، قد يكون حفظ الذاكرة العمرانية واحداً من أشكال مقاومة المحو: أن نعرف ماذا كان لدينا، ماذا خسرنا، وما الذي يمكن إنقاذه قبل أن يصبح الركام هو الرواية الوحيدة المتبقية.