حين يتزامن القرار مع القصف… أيّ سيادة هذه؟

حين يتزامن القرار مع القصف… أيّ سيادة هذه؟

حين يتزامن القرار مع القصف… أيّ سيادة هذه؟ 

بقلم: ميسم حاتم حمزة

 ليست مسألة التزامن بين القرار الرسمي والقصف الإسرائيلي تفصيلًا عابرًا في المشهد اللبناني، بل مؤشرًا خطيرًا يستوجب التوقف عنده مليًّا. فحين تُطرَح خطط أمنية على طاولة الحكومة، ويترافق ذلك مباشرة مع تصعيد عسكري في المناطق المعنية، يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام مصادفات زمنية؟ أم أمام مسارٍ واحد تُرسم مراحله بالنار والضغط؟ ما يلفت الانتباه ليس الغارات بحدّ ذاتها، فلبنان اعتاد الاعتداءات، بل الدقة في التوقيت. 

كلما نوقشت خطوة متعلقة بالانتشار العسكري، بدا وكأنّ الميدان يسبق السياسة، وكأنّ القصف يأتي ليؤطر القرار ويحدّد سقوفه. هذا التزامن لا يمكن فصله عن طبيعة الصراع مع عدوّ اعتاد استخدام القوة العسكرية كأداة سياسية ورسالة تفاوض

السؤال الجوهري هنا: هل تُقصف المناطق ردًا على قرارات لبنانية سيادية؟ أم تُدفَع القرارات أصلًا تحت وطأة القصف والتهديد؟ الفرق بين الاحتمالين كبير، لأنه يحدّد من يمتلك زمام المبادرة، ومن يُستدرج إلى ردود الفعل. 

إسرائيل، تاريخيًا، لا تنتظر تنفيذ الخطط لتتحرك، بل تتحرك لتفرض اتجاهها. تستخدم الغارات لتعديل المسارات السياسية، وتستثمر في الانقسامات الداخلية، وتعرف جيدًا كيف تحوّل أي نقاش لبناني حول “الأمن” إلى ساحة ضغط. وعندما يترافق البحث في انتشار الجيش مع تصعيد جوي، فهذا يعني أن الرسالة واضحة: القرار الأمني ليس شأنًا داخليًا خالصًا كما يُراد له أن يبدو. فالتجارب السابقة أثبتت أن العدو لا يريد جيشًا قويًا مكتمل الصلاحيات، بل جيشًا مُقيَّد الحركة، ولا يريد دولة سيّدة، بل دولة تؤدّي وظائف أمنية بالحد الأدنى، تحت سقف التهديد الدائم. الأكثر إثارة للقلق أنّ هذه الخطط غالبًا ما تُسوَّق داخليًا بعناوين جذابة: “بسط سلطة الدولة”، “تطبيق القرارات الدولية”، “طمأنة الخارج”. 

لكن أيّ سيادة تُمارَس تحت القصف؟ وأيّ سلطة تُبسط فيما الطائرات المعادية هي من يحدّد التوقيت والمكان؟ إن السيادة الحقيقية لا تُقاس بعدد النقاط المنتشرة على الأرض، بل بقدرة الدولة على اتخاذ قرارها بحرية، بعيدًا عن الإملاءات والضغوط العسكرية. 

وأيّ خطة أمنية لا تُبنى على إرادة وطنية جامعة، ولا تُحصَّن بفهم عميق لطبيعة العدو وأدواته، ستبقى عرضة لأن تتحوّل من مشروع حماية إلى باب جديد من أبواب الابتزاز. 

في لحظة إقليمية دقيقة، يصبح واجبًا إعادة طرح الأسئلة الصعبة، لا الهروب منها. فحين يتزامن القرار مع القصف، لا بدّ من التوقف طويلًا أمام المعنى، لأن الأوطان لا تُحمى بالصدف، بل بالوعي، وبقرارات لا تُكتب تحت النار

 باختصار .. الغارات الإسرائيلية ليست ردودًا عسكرية عشوائية، فإسرائيل تستثمر القرارات الحكومية اللبنانية والقرار الأمني اللبناني ليس مستقلًا بالكامل، أو على الأقل ليس بمنأى عن الحسابات الإسرائيلية. 

فهل ستتحرك الدولة اللبنانية من اجل حماية الوطن؟؟


آخر الأخبار