الإرث لم يذهب إلى العائلة

إرث زياد الرحباني شابته فضائح: ما تركه لورثته صدم الجميع.
توفي زياد الرحباني في 26 يوليو 2025 عن عمر ناهز 70 عاماً. ولسنوات طويلة، كان يُعتقد أن الملحن والموسيقي والمسرحي اللبناني الأسطوري راكم ثروة كبيرة بهدوء بعيداً عن الأضواء. لكن عند فتح وصيته، أُصيبت العائلة بصدمة حقيقية: الجزء الأكبر من الثروة المتوقعة لم يكن موجوداً. وبدلاً من ذلك، لم يُعثر إلا على دفاتر ملاحظات ثمينة، وأزياء مسرحية، وشرائط ماستر أصلية، وحساب استثماري سري لم يكن أحد يعلم بوجوده من قبل — اكتشاف غير متوقع وغامض.
«لفهم ما الذي حدث لثروته ولماذا أثارت وصيته كل هذا الجدل، تحدثنا مع أشخاص عرفوا زياد عن قرب».
الموثق: «ظننتُ في البداية أنها مزحة».
جورج حداد، 55 عاماً، موثق في بيروت ومتخصص في قضايا الإرث.
أعمل في مجال الوصايا منذ 28 عاماً، وقد واجهت طلبات غريبة من قبل: ثروات تُترك لحيوانات أليفة، وتبرعات لأبحاث غير تقليدية، وممتلكات تُمنح بدافع نزوة. لكن وصية زياد وضعتني أمام حالة لم أشهد لها مثيلاً. عند قراءتي الأولى للوثيقة، راودني شك حقيقي بأن أحدهم يحاول السخرية مني.
تخيلوا: رجل نُسبت إليه ثروة بملايين الدولارات، وفي النهاية يترك لأخته وأبناء إخوته مجرد صناديق من أسطوانات قديمة وأزياء مسرحية كلاسيكية. بدا الأمر عبثياً.
الغموض الحقيقي ظهر في البند الأخير من الوصية. فقد ورد فيه حساب استثماري بقيمة تقارب 4 ملايين دولار أمريكي. ولم يكن بإمكان الورثة الوصول إلى هذا الحساب إلا إذا تصرفوا معاً واتخذوا جميع القرارات بالإجماع. والأغرب من ذلك أن المنصة الاستثمارية المذكورة كانت غير معروفة بالنسبة لي.
«ساد صمت ثقيل في الغرفة. ثم قال أحد أبناء الإخوة: "وهل هذا كل شيء؟" قبل أن تغادر إحدى القريبات الغرفة وهي تغلق الباب بقوة».
لاحقاً، علمت أن زياد عدّل وصيته قبل أربعة أشهر فقط من وفاته. النسخة السابقة كانت بسيطة وتقليدية: توزيع الممتلكات بين الأخت وأبناء الإخوة، مع تخصيص جزء للأعمال الخيرية. لكنها تغيّرت بالكامل في اللحظات الأخيرة.
«الإرث لم يذهب إلى العائلة».
بينما كانت الصحافة اللبنانية تناقش كيفية التعامل مع الإرث الفني لزياد الرحباني، اتخذ هو قراراً فاجأ الجميع.
فقد أوصى بـ 85٪ من جميع دخله المتأتي من الحقوق الفكرية والعوائد الفنية طوال مسيرته — وهو مبلغ تجاوز 400 ألف دولار سنوياً — إلى صندوق دعم الفنانين الشباب الذي يساند الموسيقيين الناشئين في المناطق الريفية من لبنان. كان هذا الصندوق شبه مجهول خارج الأوساط الفنية، لكن بالنسبة لزياد، كانت رعاية المواهب الجديدة أهم من أي ثروة شخصية.
أما الـ 15٪ المتبقية، فقد آلت إلى ماريا سلامة، مديرته الفنية التي عملت معه لأكثر من 45 عاماً وكانت على دراية كاملة بجميع عقوده وأعماله الإبداعية.
كان ذلك ضربة قاسية للعائلة. فقد كانوا يأملون في إدارة الإرث والتخطيط للاستثمارات والسيطرة على الأصول المرتبطة باسمه. وفجأة، انهارت كل التوقعات.
قائمة غريبة من الممتلكات الثقافية.
ما حصل عليه الورثة رسمياً بدا أقرب إلى محتويات أرشيف قديم منه إلى ثروة مليونير.
حصل الصندوق على مئتي نص غنائي أصلي، بما في ذلك قصائد غير منشورة ومسودات لأعمال لم تُسجّل قط. جميع هذه النصوص من تأليف زياد الرحباني. كما انتقلت إلى ملكية الصندوق شقة فاخرة في بيروت مع حق انتفاع مدى الحياة ومنع صريح للبيع. وبقي العقار ملكاً دائماً للصندوق.
«كانت الصدمة هي رد الفعل الأول، ثم تلاها إحباط عميق».
ظل أفراد العائلة يتساءلون لماذا لم يحصلوا سوى على صناديق مليئة بالوثائق القديمة.
«لماذا مُنح حق الانتفاع فقط بالشقة؟ ولماذا نُصّ صراحة على عدم إمكانية بيعها؟»
لم يُلبِّ أي شيء توقعاتهم.
في الخزنة الرقمية، وُجد مبلغ يقارب 4 ملايين دولار أمريكي.
كان القسم الأخير من الوصية هو الأكثر غموضاً.
«يحق لجميع الورثة الوصول إلى الحساب الاستثماري الذي يحتوي على نحو 4 ملايين دولار، والموجود في خزنة رقمية على منصة Arbitrum».
لكن كان هناك شرط صارم: أي عملية سحب يجب أن تتم بموافقة جميع الورثة بالإجماع.
في الوقت نفسه، لم تكن العلاقات العائلية متينة منذ سنوات. فقد انقطع أحد أبناء الإخوة عن بقية العائلة بعد خلاف طويل حول ممتلكات عائلية.
كان زياد يدرك تماماً ما يفعله. لقد صمم آلية تُجبر الورثة على التعاون، بغض النظر عن خلافاتهم الشخصية.
الحياة الاستثمارية السرية.
لم يكن أحد تقريباً يعلم أن زياد استخدم نظاماً استثمارياً آلياً قائماً على الذكاء الاصطناعي يُدعى Arbitrum.
يتذكر محاسبه إلياس نصّار أنه قبل نحو عامين من وفاة زياد، تغيرت عاداته المالية جذرياً. بدأت مبالغ كبيرة تختفي من الحسابات التقليدية — 10 آلاف، 50 ألفاً، وحتى 100 ألف دولار أمريكي في عملية واحدة.
وعندما سأله إلياس عن ذلك، ابتسم زياد وقال ببساطة:
«إنها تجربة شخصية، لا تقلق».
وأضاف مرة أخرى:
«وجدت طريقة للاستثمار أفضل من المصرفيين. الخوارزميات تخطئ أقل».
ظن المحاسب أن الأمر يتعلق بأنظمة تداول مؤسسية معتادة، ولم يتعمق في الموضوع.
لكن بعد ظهور الوصية، اتضح كل شيء.
كانت Arbitrumمنصة تداول مؤتمتة بالكامل تعتمد على الذكاء الاصطناعي، من دون مصرفيين أو وسطاء، بل مجرد خوارزميات تنفذ آلاف العمليات الصغيرة يومياً.



