ثقة بالمؤسسات الدولية مقابل تراجع الرهان على قيادة أميركا والصين

ثقة بالمؤسسات الدولية مقابل تراجع الرهان على قيادة أميركا والصين

يكشف المزاج العالمي عن مفارقة لافتة: تشاؤم متزايد تجاه الأوضاع الاقتصادية والأمنية، يقابله تمسّك أكبر بالتعاون بين الدول وثقة أعلى بالمؤسسات الدولية. هذا ما خلص إليه استطلاع أجرته مؤسسة روكفلر في 34 دولة وشمل أكثر من 35 ألف شخص، في وقت تتراجع فيه جاذبية الولايات المتحدة والصين كقوتين تقودان النظام العالمي.


نحو 70% من المشاركين رأوا أن العالم أصبح أسوأ خلال العام الماضي، فيما لم يتوقع سوى 38% تحسناً في اقتصادات بلدانهم خلال السنوات الخمس المقبلة. الصورة بدت أكثر قتامة في الهند والصين، حيث تراجع التفاؤل الاقتصادي 26 نقطة مئوية في الهند إلى 50%، و16 نقطة في الصين إلى 56%.


المفارقة تظهر بوضوح عند الانتقال من تقييم الوضع العالمي إلى البحث عن حلول له. 57% من المشاركين أيدوا تعاون الدول لمعالجة القضايا العالمية، بما فيها الأمن، حتى لو استدعى ذلك تقديم تنازلات على حساب بعض المصالح الوطنية، مقارنةً بـ55% في استطلاع العام الماضي. كذلك أيد 61% تعاون الدول من دون مشاركة الولايات المتحدة أو الصين.


هذا الميل نحو التعاون ترافق مع ارتفاع ملموس في الثقة بالمؤسسات الدولية. منظمة الصحة العالمية حصلت على ثقة 69% من المشاركين مقابل 61% العام الماضي، وارتفعت الثقة بالأمم المتحدة إلى 62% من 58%. أما البنك الدولي فصعد إلى 55% مقابل 46%، وصندوق النقد الدولي إلى 51% مقابل 43%، فيما ارتفعت الثقة بالمحكمة الجنائية الدولية إلى 54% ومنظمة التجارة العالمية إلى 57%.


في المقابل، لم تحظَ فكرة تولي الولايات المتحدة أو الصين قيادة الشؤون العالمية بارتياح واسع. 39% فقط أبدوا ارتياحاً للدور الأميركي، مقابل 37% للصيني، بينما جاءت روسيا في مرتبة أدنى بكثير عند 26%. أما الدول التي ينظر إليها المشاركون بارتياح أكبر كقوى قيادية، فتصدرتها كندا بنسبة 60%، ثم اليابان 58% وأستراليا 55%، مع تسجيل الاتحاد الأوروبي 55% وبريطانيا 54% والأمم المتحدة 52%.


الفجوة لا تتوقف عند مسألة القيادة، بل تمتد إلى صورة هذه الدول كمصدر تهديد. روسيا اعتبرها 42% من المشاركين تهديداً رئيسياً، مقابل 34% للولايات المتحدة و30% للصين. وتصدرت موسكو قائمة مصادر القلق في 14 دولة، خصوصاً في أوروبا، بينما احتلت واشنطن المرتبة الأولى في 15 دولة، وسجلت أعلى مستويات القلق منها في إندونيسيا بـ73%، والبرازيل بـ59%، والمكسيك بـ58% وتركيا بـ57%.


النظرة إلى الصين بدورها تختلف بحسب مستوى التنمية، إذ بلغت نسبة من يشعرون بالارتياح تجاه توليها دوراً قيادياً 53% في الدول النامية، مقابل 23% في الدول الأكثر ثراءً. وسُجل تفاوت مشابه في النظرة إلى روسيا والولايات المتحدة، بفارق 27 نقطة و17 نقطة مئوية على التوالي بين المجموعتين.


الاستطلاع يأتي قبل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في ظل تداعيات حرب الشرق الأوسط على أسواق الطاقة والنمو والتضخم، وبعد عام شهد اضطرابات تجارية واسعة على خلفية الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.


وبحسب إريك بيلوفيسكي، نائب رئيس مؤسسة روكفلر، تعكس النتائج مساحة متزايدة لنموذج «القوى الوسطى» الذي يطرحه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، في وقت تظهر فيه الأرقام أن جزءاً كبيراً من الرأي العام العالمي يريد معالجة الأزمات عبر التعاون الدولي، لكنه لا يبدي الحماسة نفسها لقيادة أميركية أو صينية منفردة.